حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٤ - الباب الأوّل فى ذكر حجّة لفّقها ابن سينا فى رسالته المذكورة لإثبات حدوث العالم
المسألة التّحفّظ عن الوقوع فى ضلالات الفلاسفة و حفظ المسلمين عنه و انقاذ الواقعين فى غمرات ضلالاتهم عن الهلاك فيها لأنّ هذه المسألة منشأ ضلالاتهم و أصل جهالاتهم فيكون تحقيقها من المهمّات بل من الواجبات على من هو أهل ذلك من المسلمين.
فان قال قائل: هذا القول مخالف لما كان أئمّة السّلف عليه فانّهم كانوا ينهون النّاس عن التّكلم فى أمثال هذه المسائل و استماعها، و يمنعون المتعلّمين عن تعلّم علم الكلام و لا يخوضون فيه، و يقرفون الشّارعين فيه بالبدعة و الضّلال، و يهجرونهم و يزجرونهم.
قلنا: ائمّة السّلف [٢٦] كانوا اطبّاء المسلمين و حماة الدّين، و الطّبيب يتقدّم بحفظ الصّحة عن حدوث المرض، فإن حدث عالج ليزول المرض و لهذا انقسم علم الطّبّ قسمين: حفظ الصّحّة حاصلة و استردادها زايلة. و كذلك والى البلدة يحفظها عن دخول المفسد و السّارق فإذا دخلاها طلبهما و طهّر البلد عن شهرهما باىّ طريق كان. فكان أئمّة السّلف يحفظون النّاس عن الوقوع فى الضّلالة بمنع سببها عنهم كما يمنع الوالد الصّبىّ عن أن يرى ما يضرّه من المأكول و عن أن يحوم حول الماء الغمر، لأنّ النّاس مختلفوا الطّبائع فليس لكلّ واحد قوّة أن يقف على حقيقة كلّ كلام و يعرف حقيقته من بطلانه فيكون سماعه الكلام الباطل الدّقيق سببا لاعتقاده له. و أمّا الآن و قد ظهر الفساد فيما بين المسلمين بسبب شيوع كلام الفلاسفة و كثرة كتبهم فيما بين المسلمين فلو كان اولئك الائمّة أحياء لشرعوا فى تحقيق إبطال ضلالاتهم و حرّصوا عليه المتعلّمين، و جعلوه من فروض الكفاية.
و أمّا نسبة علم الكلام إلى البدعة و الضّلالة فإنّما كان لأن الشّارعين فيه فى عصرهم كانوا مبتدعين و أكثرهم كانوا معتزلة [٢٧] و لم يكن أحد يذبّ عن الحق و ينصره بطريق العقل فكان الايمّة يهجرونهم لذلك فهذا هى المقدّمة.
[القسم الأوّل فى الاحتجاج لاثبات حدوث العالم و مناقضة كلام ابن سينا]
و امّا القسم الأوّل و هو فى الاحتجاج لاثبات حدوث العالم و مناقضة كلام ابن سينا فى رسالته المذكورة فى أوّل هذا الكتاب فثلاثة ابواب:
الباب الأوّل فى ذكر حجّة لفّقها ابن سينا فى رسالته المذكورة لإثبات حدوث العالم
و حجج أخرى نقلها على استحالته وجود حوادث لا نهاية لها و ذكر اعتراضاته على الحجّة الّتي لفّقها و الحجج الّتي نقلها.