حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١١ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
منه و أكثر همّى فيه الوقوف على فساد شبههم فى مخالفة الحقّ. فوجدت فيه من آراء الفلاسفة ما خالفه ابن سينا و أبطله فزادت رغبتى فى تصفّح كتبه و تحقيق ما فيها ليكون معارضة أقاويلهم و مناقضة شبههم عن حقيقة و بصيرة، فانعم اللّه- جلّ جلاله- عليّ لما علم من صدق همّتى و خلوص نيّتى فيما قصدته بأن فتح ما انغلق على من تقدّمنى حتّى خطّأت ابن سينا فيما لا يخطر ببال احد إمكان تخطئته فيه و هو علم المنطق فى كثير من المواضع منه. و عملت فيه رسالة هى سمّيتها بالتّوطئة للتّخطئة و عنيت بتخطيته فى مسائل أصول الدّين.
و ها أنا الآن أذكر فى هذا الكتاب من ذلك ما يتعلّق [٢٠] بإثبات حدوث العالم و إبطال شبههم فيه، و بعد الفراغ من هذا الكتاب أقبل- إن شاء اللّه تعالى- على تحرير كتاب التنبيه على تمويهات كتاب التنبيهات و على كلامه فى كتبه الأخرى و إبطال جميع آرائه المخالفة للحقّ.
فلا يجب ان يظنّ بكلّ من طالع كتب الفلاسفة و يفهم كلامهم و يتّبع أقاويلهم أنّه اعتقد صحّتها و عدل عن العقائد الّتي نشأ عليها، فإنّ هذا الظنّ سهو عظيم و خطأ فاحش يشعر بأنّ كلامهم فى الصّحة و الوضوح بحيث يعتقده كلّ من وقف عليه فان فيه نصرة للفلاسفة و تقوية لأقاويلهم الباطلة. بل الحقّ انّ من قهم كلامهم بسهولة و تأمّله عن بصيرة و كان وقّاد الطّبع قادرا على التمييز بين صحيح الكلام و فاسده، سريع الوقوف على الأغلاط الواقعة و الأغاليط المستورة فيه، سيّما إذا كان متبحّرا فى علم المنطق متقويا بعلم الكلام، مطبوعا على التّصرّف فى المعقولات كحجّة الإسلام محمّد الغزّالى و الشّيخ الإمام الأجل شرف الدّين محمّد المسعودى و غيرهما من علماء الكلام الذين طالعوا المنطق و الالهيّات سوى للغرض الّذي ذكرناه بمعزل عن هذا الظّن الفاسد. لكن من لم يكن كما وصفته و هم الأكثرون فنظر فى كلامهم الغامض البعيد عن [٢١] الطّبع المتكلّف التّركيب و الوضع المعقد بألفاظ غير معتادة وقف فى توهّم تفهّمه و بقى فى تعلّمه من أفواه الفلاسفة مدّة مديدة يراجعهم و يخالطهم حتّى استأنس بأقوالهم و استحكم اعتقاده لها و قام ذلك لهم مقام النّشوء عليه، سيّما و قد انقذ شطرا من عمره فى تفهّم كلامهم و ضبطه و صار ذلك لتعسّر نيله