حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٩ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
إيمانا باللّه و إثباتا للصّانع، فقد ذكرنا أنّ القول بقدم العالم نفى للصّانع بالحقيقة، و نبيّن فيما بعد من وجوه أخر أنّهم نافون لوجود الحقّ تعالى، و أنّه كيف يكون قولهم بابديّة العالم إيمانا باليوم الآخر، و كيف يكون كلامهم فى النّبوات و المعجزات على ما نقلت عنهم تصديقا للرّسل. فإذا اغترّ مثل حجّة الاسلام بظاهر كلامهم حتّى شهد لهم بالإيمان باللّه و اليوم الآخر فما ظنّك بمن لم يتبحّر بتبحّره بل لم يدرك غبارة فى العلم لم يحط منه بشيء.
ثمّ أقول المائلون من المسلمين إلى كلام الفلاسفة صنفان: [١٦] صنف ينجع فيهم التّبصر و ينبّههم التنبيه، و صنف لا ينتبهون البتة و لا يتبصّرون. فالصّنف الأوّل هم الّذين سبب ميلهم إليه الشّروع فى تحصيل علّم ما، الحرص على اكتساب سعادة اخرويّة بتزكية النّفس عن الأخلاق الدّنيّة و العلم الدّاعى إلى ذلك الميل، إمّا فنّ من فنون علومهم كالحساب و الهندسة و الطّبّ و النّجوم و المساحة، و إمّا علم من علوم الدّين كعلم الكلام و مختلف الفقه.
فمن الشّارعين فى فنّ من فنون علومهم من إذا اعتقد أنّ علمه الّذي شرع فيه صحيح علم أنّه من جملة علوم الفلاسفة توهّم أنّ غيره من علومهم يكون أيضا صحيحا من غير بصيرة أو رغب فى تحصيل علوم تشتمل على أصول علمه لتكميل نفسه فى فنّه الّذي شرع فيه معتقدا صحّتها أو غير معتقد. فهؤلاء ينتبهون بما ذكرنا من أقاويلهم الفاسدة لكونها ضلالا و كفرا.
و من الشّارعين فى مختلف الفقه من سمع أنّ من جملة علومهم علما مقصورا على تعليم الحدّ و القياس و تمييز الصّواب و الخطأ فيهما يسمّى «المنطق» فكان محتاجا فى علمه إليهما مال طبعه إلى تعلّم ذلك العلم و ليس فيه شيء من ضلالاتهم لكن فيه أمثله من علميهم الآخرين و هما الالهيّات و الطّبيعيّات [١٧] و لا يقف على حقيقة معنى تلك الامثلة إذا لم يكن عرف شيئا من ذينك العلمين، فيجرّه هوس تحقيق تلك الأمثلة الا تعلّمهما. و كذلك اقتران المنطق فى أكثر تصانيفهم بذينك العلمين يجرّه أيضا إلى النظر فيهما محبّة الاستكمال فى العلوم، فهؤلاء يجب أن يتبصّروا بأنّ الحدّ و القياس المذكورين فى المنطق غير مستعملين فى صناعتهم فلا ينفعهم تعلّمها بل يضرّهم بأن يشتغل طبعهم و تضيّع أيّامهم بما لا يعنيهم.