حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٧ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
الحياة فيهما يكون قادرا على إيجاد الحياة فى جسم عازورا أو جسم العصا و قلبه ثعبانا. و كما قدر على خلق القمر يقدر على فلقه. و ظاهر أنّ صفات المخلوقين لا تكون فى الكمال كصفات خالقهم فلا عجب أن يقدر الخلق على معارضة كلام خالقهم بكلامهم. و ما قالوه من أنّ الفلك لا يتخرّق و الملك لا يتحرّك باطل و ادلّتهم [١٢] على ذلك فاسدة و لا يليق ذلك بهذا الموضع.
و إذا ثبت جواز أن يوحى اللّه تعالى إلى بشر، و أن يخلق ما هو خارق للعادات ثم ادّعى بشر أنّ اللّه تعالى أوحى إليه و تحدّى بأنّ اللّه تعالى يخلق لتصديقه عقيب تحدّيه ما يعجز مثله عن الإتيان بمثله فكان الأمر كما ادّعى علم ضرورة صدقه، و إذا ثبت كونه صادقا وجب تصديقه فيما يخبر به من الحشر و النّشر و الجنّة و النّار و الميزان و الصّراط و غير ذلك ممّا هو جائز الوجود بقدرة اللّه تعالى، و إن لم تعلم بعقولنا المخلوقة النّاقصة كيفيّة وجودها بسبب إن لم يعهد مثلها. فكما انّا لو قدرنا انّا لو لم نكن رأينا وجود إنسان من نطفة فأخبرنا بذلك استبعدناه جدّا كذلك لمّا لم نر عود أعضاء متفتّتة. و عظام بالية نخرة إنسانا كاملا كما كان كذلك أوّلا استبعده عقولنا لا بل اوهامنا خلقت متبعة للمحسوسات لا يمكنها تصديق وجود ما هو يخالف لها، و كذلك غير ذلك ممّا لم نعهد مثله من دعوات الأنبياء.
فصحّ أنّه يصحّ بصحّة حدوث العالم كثير من أصول الدّين و يبطل معظم أقاويل المخالفين فتكون هذه المسألة من أمّهات أصول الدّين. و أمّا إنّ معرفتها و تحقيقها من المهمّات للمسلمين فلأنّه [١٣] قد شاع فيما بينهم كتب الفلاسفة و أقاويلهم المتفرّقة، و هذا المسألة قد ظهر أنّها أصلها و منشأها و مال إلى اعتقاد مقالاتهم و تحصيل ما ضمّنوا كتبهم من ضلالاتهم كثير من أهل الاسلام و صار يزداد هذا الاعتقاد و الميل على مرّ الأيّام، و هذا شيء يخشى منه فساد فى الدّين عام. فيجب قطعه من أصله كما يجب قطع العضو العفن لئلا يسرى فساده إلى جميع البدن. و من طرق هذا القطع التّنبيه على انّ أصول عقايدهم كفر و ضلال و تبصير ادلّته و تقريرها، فإنّ اكثر المائلين إلى اعتقاد مقالاتهم يعتقدون أنّهم يثبتون النّبوّة و يقولون بالمعاد و بسعادة الخير و شقاوة الشّر فيه.