حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٧٦ - الفصل الثّالث فى بيان أن لا وجود فى الأعيان للوجود المضاف إلى الذّوات الموجودة فى الأعيان
بالصّفات الذّهنيّة يستدعى وجودها فى الأذهان.
فإن قيل: الموجود بوجود غير موجود يكون غير موجود كما انّ العالم بعلم غير موجود غير عالم.
قلنا: العلم من الصّفات الوجوديّة يستدعى الوصف بالعالم وجود العلم فيه و أمّا الموجود فانّما يكون موجودا بالوجود بأن يحكم عليه الذّهن بوجود اعتبارى فلا يقتضي الوصف بالوجود وجودا موجودا فى الأعيان كما لا يصحّ أن يقال البياض لو كان لونا بلونيّة غير موجودة لم يكن لونا كذلك. لا يصحّ أن يقال: الموجود لو كان موجودا بوجود غير موجود لكان غير موجود و ذلك لأنّ كليهما من الأمور الذّهنيّة فيصحّ قياس أحدهما على الآخر و امّا العلم و البياض فمن الامور الوجوديّة فلا يصحّ قياس الامور الاعتباريّة عليهما، فثبت أنّه لا وجود للوجود إلّا فى الأذهان. و اذا صحّ هذا بطل قول الفلاسفة انّ حقيقة الصّانع تعالى عن قولهم هى الوجود» [١٤٢] و تبيّن انّه نفى للصّانع لا تنزيه، لانّ الوجود إذا كان معنى اعتباريّا لا وجود له الّا فى الأذهان لم يكن حقيقته تعالى موجودة إلّا فى الأذهان، فلم يكن فى الوجود خارج الذّهن صانع و يدّعون انّ هذا تنزيه له تعالى نعوذ باللّه من مثل هذا التّنزيه و يبطل بهذا شبهة بنوا عليها هذا القول، و هى أنّ الوجود إمّا أن يكون داخلا فى حقيقته أو غير داخل فيها فان كان داخلا فى حقيقته فإمّا أن يكون نفس حقيقته أو جزءا منها. لا يجوز أن يكون غير داخل فى حقيقته لأنّه إذا كان له وجود غير داخل فى حقيقته كان إمّا لازما لها و إمّا عارضا و لا يجوز أن يكون لازما لأنّ حقيقته تكون علّة لوجوده فتكون متقدّمة عليه بالوجود و لا يتقدّم بالوجود شيء على الوجود و لا يجوز أن يكون الوجود جزءا من حقيقة لانّه يلزم منه أن يكون ذاته مركّبة من شيئين أو أشياء فتكون واجبه بهما أو بها فلا يكون واجب الوجود بذاته و هو محال فتعيّن أن يكون الوجود نفس حقيقته. فإنّ الجواب عن هذه الشّبهة ان يقال: ليس الوجود داخلا فى حقيقته و لا غير داخل لانّه اذا لم يكن أمرا وجوديّا لم يكن داخلا و لا غير داخل بل ذاته و حقيقته موجودة بذاته و ذاته وجوده و وجود ذاته و اذا حكم الذّهن على ذاته بوجود مشترك [١٤٣] فيه بين الموجودت كان ذلك الوجود موجودا فى الذّهن فلا يلزم منه تكثّر فى ذاته و لا أن