حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٨٤ - الفصل الأوّل فى ذكر تلك الشّبه
المطلوب فلا يصحّ الاحتجاج به. ثمّ انّ معنى قولنا: «الحادث ممكن الوجود» هو أنّه ممكن الوجود فى مادّته غير مسلّم بل معناه هو أنّه ممكن الوجود فى نفسه فبطلت هذه الشّبهة و بطل قولهم: «العالم لم يزل ممكنا» لما ذكرنا من وصف الشّيء بالإمكان.
و قد ذكرنا أنّ الفلاسفة يذعنون لأحكام الوهم فيقعون فى الغلط فى المعقولات. و فى هذه المسألة غلط لانّهم شاهدوا فى هذا العالم حوادث تحدث فى أجسام [١٥٧] صالحة لقبول صور تلك الحوادث كالسّيف الّذي إنّما يحدث صورته فى الحديد لا فى الصّوف و الخلّ الّذي يحصل من عصير العنب دون الماء فقالوا ان إمكان وجود السّيف فى الحديد و هو مادّته و إمكان وجود الخلّ فى العصير فتوهّموا أنّ كلّ حادث يكون إمكانه فى مادّة متقدّمة عليه و ذلك غير واجب فإنّه إن كان وجود السّيف ممكنا فى الحديد و وجود الخلّ ممكنا فى عصير العنب لم يجب أن يكون وجود كلّ حادث ممكنا فى مادّة و الإمكان هاهنا أيضا غير موجود فى الأعيان لما ذكرنا انّ الوجود و الإمكان غير موجودين فى الأعيان، و لأن الحكم بالإمكان هاهنا يكون على السّيف الكلّى و الخلّ الكلّى، و الكلّى يكون وجوده فى الذّهن فكذلك إمكانه فعلم أن لا وجود للامكان فى الأعيان و لا يلزم منه قدم العالم.
و امّا قوله: «الإمكان غير قدرة القادر عليه و إلّا لكان إذا قيل المحال غير مقدور عليه لأنّه غير ممكن لكان قد قيل المحال غير مقدور عليه لأنّه غير مقدور عليه» ففاسد، لأنّه لا يقول عاقل ذلك فإن معنى المحال انّه غير ممكن فيكون معنى قولنا: «المحال غير مقدور عليه لأنّه غير ممكن» ه ان غير الممكن غير مقدور عليه لأنّه غير ممكن و ذلك فاسد بل الصّحيح أن يقال: [١٥٨] المحال غير مقدور عليه لانّ المقدور عليه إذا فعل وجد و المحال لا يوجد.
و قوله: «الإمكان أمر إضافى» يدلّ على أنّه لا يكون موجودا فى الأعيان لما ذكرنا أنّ جميع الأمور الإضافيّة غير موجودة فى الأعيان فهذا هو الكلام على هذه الشّبهة.
الباب الثّالث فى الكلام على شبههم الّتي بنوها على مقدّمات حقّة قرنوا بها مقدّمات باطلة و تلك المقدّمة انّ الحقّ تعالى منزّه عن التّغيّر فصلان:
الفصل الأوّل فى ذكر تلك الشّبه.