حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٦ - الفصل الثّاني فى ذكر الحجّة الّتي ذكرها ابن سينا
و العلماء أجابوا عن هذا الكلام بأنّ كلّ جزء من الحركة إذا كان حادثا و ليس الكلّ الّا المجموع الأجزاء كان الكلّ حادثا. و أيّدوا هذا الكلام بأنّه يلزم ممّا ذكرتم وجود حوادث لا نهاية لها و هو محال، و بيّنوا ذلك. و يكفى فى المحاجّة معهم إثبات استحالة وجود حوادث لا نهاية لها من كون العالم قديما. فإذا ثبت استحالته بطل قدم العالم فيتعيّن انّه حادث، لكن العلماء أرادوا إثبات حدوث العالم على كلّ أحد لا على الفلاسفة فقط فاحتاجوا إلى إثبات الأصول الأربعة مع من ينكر شيئا منها و لا حاجة فى زماننا إلى إثبات تلك الأصول لأنّه لا خصم فى زماننا فى هذا المسألة إلّا الفلاسفة و الفساد فى [٣٠] العالم من جهتهم كائن، و هم لا ينكرون شيئا فكذلك صرفت العناية فى هذه المسألة إلى محاجّتهم بما لا يمكنهم إنكاره و لا ينفعهم الرّوغان فى دفعه.
الفصل الثّاني فى ذكر الحجّة الّتي ذكرها ابن سينا
فى رسالته المذكورة قبل على إثبات حدوث العالم و حجج أخرى على استحالة وجود حوادث لا أوّل لها قد نقلت كلامه بألفاظ اصطلح عليها علماؤنا و حذفت منه ما لا حاجة إليه.
قال: إن كان الماضى من العالم لا أوّل له فالأمور الماضية المتتالية لا نهاية لها و جملة الأمور الماضية المتتاليّة قد وجدت فيلزم من ذلك أنّه إن كان الماضى لا أوّل له فان ما لا نهاية له قد وجد. ثمّ جعل هذا اللّازم مقدّمة فى قياس آخر و قال: ان كان الماضى لا أوّل له فان ما لا نهاية له قد وجد لكن لا يوجد شيء لا نهاية له فيلزم أنّ الماضى له أوّل. ثمّ عمل هذا البرهان على نحو آخر و هو أنّ الماضى إن كان لا أوّل له فجملة الأمور الماضية لا نهاية لها، و كلّ ما لا نهاية له لا يوجد فإن كان الماضى الأوّل له فجملة الأمور الماضية لم توجد. ثم جعل هذا اللّازم مقدّمة فى قياس آخر و قال: إن كان الماضى لا أوّل له فجملة الامور الماضية لا توجد لكن [٣١] جملتها قد وجدت فيلزم انّ للماضى أوّلا. و قد بين أنّ صور هذه القياسات صحيحة و سلم مقدّماتها ان صدقت لزم انّ للماضى من العالم أولا.
بيان صحّة صور القياسات هو انّ القياس الأوّل مقدّمة الأولى و هى انّ الماضى إن كان لا أوّل له فالأمور الماضية لا نهاية لها و يسمّيها شرطية متّصلة لها جزءان: أوّلهما قولنا: «ان كان الماضى لا أوّل له» و الثّاني قولنا: «فالأمور الماضية لا نهاية لها» و قد حكم على المحكوم