حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٢ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
و أمّا القسمان فأحدهما فى الاحتجاج لإثبات حدوث العالم، و فى مناقضة كلام ابن سينا فى رسالته المذكورة. و الثّاني فى إبطال شبه الفلاسفة فى هذه المسألة، و ما يتعلّق بها من المسائل بعد حصرها و بيانها بالقدر الممكن.
المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات أصول الدّين، هو أنه لا سبيل إلى إثبات الصّانع تعالى الأبعد ثبوت حدوث العالم لأن الصّانع إنّما يعرف وجوده بواسطة حاجة العالم إلى موجد و الموجود لا يحتاج إلى وجود و إلى موجد، فإذا كان العالم لم يزل موجودا كان لم يزل مستغنيا عن الموجد.
فإن قال قائل: الفلاسفة يقولون بقدم العالم و يثبتون له موجدا.
قلت: و ما قالته الفلاسفة فى إثبات علّة العالم باطل لا يثبت به شيء، فإنّهم قالوا الموجود إمّا واجب الوجود بذاته [٣] و إما ممكن الوجود بذاته، و ما حقّه فى نفسه الإمكان فلا يصير موجودا من ذاته فإنّه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه، فإن صار أحدهما أولى فلحضور علّة أو غيبتها، فوجود كلّ ممكن وجود من غيره فإمّا أن بتسلسل ذلك إلى غير نهاية فيكون كلّ واحد من السّلسلة ممكنا و الجملة متعلّقة بالآحاد فتكون غير واجبة بذاتها فيكون وجودها بغيرها و هو العلّة الواجبة الوجود بذاتها. و زاد ابن سينا هذا بيانا فى كتابه المسمّى بالإشارات و التنبيهات بما لا حاجة إلى ذكره.
أقول للدّهرى أن يسلّم جميع ما قلتم، ثمّ يقول: لا يثبت به أنّ للعالم صانعا أو علّة، فإنّ العالم أفلاك دائرة بما فيها من الكواكب، و عناصر متأثّرة عن الكواكب باختلاف حركاتها يلزم عن ذلك أكوانها و فساداتها و تركّباتها و انحلالاتها، و الكلّ على ذلك قديم لم يزل كذلك و لا يزال، و الأفلاك و العناصر واجبة الوجود بذاتها لا موجد لها، و الحركات و التّغيّرات ممكنة الوجود بذواتها لازمة عنها و هى علل لوجودها، و لا يمكن الفلاسفة إلزامهم إمكان الأفلاك و الكواكب بذواتها من جهة أقدارها و أشكالها و أوضاعها و جهات حركاتها المتماثلة الّتي لا تتغيّر و لا تتخصّص وجودا على واحد منها دون غيرها [٤] بذواتها فيكون وجودها على كلّ واحد منها ممكنا فيحتاج وجودها إلى معيّن و مخصّص لوجودها على واحد معيّن منها كما نقوله نحن، لأنهم يقولون كلّ واحد من الأفلاك و