حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٣ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
الكواكب وجوده على القدر و الشّكل و الوضع الّتي له و فى الحيّز الّذي هو فيه واجب و حركته على النّحو الموجود له واجبة، و كذلك حال العناصر إلّا أنّهم لبّسوا و قالوا يجب صدورها عن العلّة كذلك، فإذا قيل لهم لم يعيّن أحد المتماثلات بوجوب الوجود عليه من العلّة لكونه خيرا و حسنا و حصول نظام الكلّ به دون غيره و واجب الوجود يصدر عنه ما هو خير و حسن و ما يحصل نظام الكلّ به فيكون على قولهم الأقدار و الأشكال و الأوضاع و الإخبار و جهات الحركات الموجودة متعيّنة و متخصّصة لذواتها لأنّ موجد العالم عليها دون غيرها من أمثالها غير محتاجة إلى معيّن و مخصّص، و سنبيّن فساد هذا الكلام فى موضعه.
و أمّا ما قالوا من أنّ واجب الوجود بذاته يكون واحدا من كلّ وجه و ما فيه تركيب أو اثنينيّة بوجه يكون ممكن الوجود بذاته فحججهم على ذلك داحضة يجئ بيانه فيما بعد. و إذا حقّقنا البحث عن معنى واجب الوجود بذاته و ممكن الوجود بذاته لم يكن واجب الوجود بذاته سوى موجود و لا سبب لوجوده بل يكون [٥] موجودا أزلا و أبدا. و الدّهرى يقول الأفلاك و العناصر كذلك و لم يكن ممكن الوجود بذاته سوى موجود لوجوده سبب، و حركات الأفلاك و تغيّرات العناصر كذلك فلم يكن فى قولهم: «الموجود إمّا واجب الوجود بذاته و إمّا ممكن الوجوب بذاته» إلى آخر ما قالوا، طائل. فأذن القائلون بقدم العالم دهريّون نافون بالحقيقة لموجد العالم و جميع ما يصفون به واجب الوجود بذاته من الوحدانيّة و القدرة و العلم و الكمال و البهاء تستّر و تجمّل.
و أمّا إذا ثبت أنّ العالم لم يكن ثمّ كان ظهر أنّ لوجوده سببا فانّه لا يكون وجوده من ذاته و إلّا كان وجوده قديما فيكون من غيره، ثمّ الكلام فى صفات ذلك الغير و إثبات أنّه يكون حيّا قادرا مريدا عالما بصيرا سميعا متكلّما، يبعث الأنبياء، و يصدّقهم بالمعجزات، و يأمر و ينهى على لسانهم عبادة، و يثيب المطيع و يعاقب العاصى إلى غير ذلك من أصول الدّين و فروع الشّرائع يكون جميع ذلك بعد ثبوت وجود ذاته و وجود ذاته إنّما يثبت بثبوت حدوث العالم فيكون هذه المسألة أصل اصول الدّين و أساس فروع الشّريعة.
و أيضا يبطل بثبوت حدوث العالم معظم ضلالات الفلاسفة و جهالاتهم. [٦] منها: