حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٧٣ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
فى الأعيان، و الزّمان عنده موجود فى الأعيان فيكون الزّمان واحدا مع وجودات كثيرة إلى تمام الاعتراض على منوال ما ذكره فى قيام الزّمان بالحركة أقصى ما يمكنه أن يقول هو أنّ الزّمان مقدار وجود اللّه تعالى لأنّه الوجود الحقيقى.
فيقال له: انّك قلت الزّمان يتقدّر به السّكونات كما يتقدّر به الحركات فيكون مقدار الحركات و السّكونات، و محال أن يتقدر الحركات و السّكونات بمقدار وجود اللّه تعالى لان ما يقدّر به الحركات و السّكونات المحسوسة يجب أن [١٣٦] يكون محسوسا أو مشعورا به كبياض النّهار و سواد اللّيل و استهلال القمر لو استنار به باجتماعه مع الشّمس أو عدد الشمس إلى نقطة معيّنة و امثال هذه الأشياء يستحيل ان وجد فى وجود اللّه تعالى، و لهذا جعل النّاس مقدار امتداد حركة أحد الأفلاك الّتي يمكن أن يدرك من حركتها أحد الأحوال المذكورة زمانا و يخرج به الجواب عن اعتراض ابى البركات فى جعل الحركة المعيّنة زمانا و لا يمكن ابن سينا أن يجيب بمثل ذلك لانّه جعل الزّمان مقدار إمكان الحركة أو مقدار إمكان الحركة بين طرفى المسافة و المسافات و الحركات فى هذا المعنى متساوية.
و امّا اعتراضه على انّ الزّمان عرض لانه منقص و كائن و فاسد فمتوجّه لكن لا يلزم منه أن يكون جوهرا بأن فسد دليل ابن سينا على عرضيّه الزّمان لا يجب منه أن يكون عرضا فانّه ربّما كان عليه ادلّة اخرى فلا يصح قوله: «فبحسب هذه الانظار قال قوم انّه جوهر ثابت».
ثمّ القول بانّه جوهر فاسد لانّه إن كان جوهرا فإمّا أن يكون متحيّزا او غير متحيّز و لا يجوز أن يكون غير متحيّز لما ذكرنا انّه يجب أن يكون مشعورا به و غير المتحيّز من الجواهر لا يكون مشعورا به و غير المتحيّز من الجواهر لا يكون مشعورا به، و لا يجوز أن يكون جوهرا متحيّزا لانّ الزّمان يكون مشعورا به فى كلّ [١٣٧] موضع و عند كلّ أحد فيلزم أن يكون الزّمان جسما محسوسا به عند كلّ احد و ليس كذلك.
ثمّ أقول هذا التحيّر دوران الرأس و الأقوال الفاسدة إنّما وقع فيها هذان الحكيمان و من قال بقولهما لارتكابهما الباطل فى جعلهم الزّمان موجودا فى الأعيان، و لو رزقوا الهداية لقالوا انّه موجود فى الأذهان فقط على ما قلناه و استراحوا من هذه العمومات.