حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٥٥ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
لامتداد شيء أصلا إلّا فى التّوهم.
أمّا امتداد الأعدام كعدم الأمطار و الفترة من الرّسل فظاهر أنّه لا يكون له وجود الّا فى التّوهم. و أمّا امتداد الموجودات ذوات الاجزاء كالاجسام و السّطوح و الخطوط فلا يكون شيئا سوى اجزائها الموجودة معا فلا يكون امتداد الحركة الّتي لا يوجد واحد من أجزائها مع آخر سوى أجزائها المتوهّمة موجودة معا على أنّ بعض النّظار من القدماء قال: «لا وجود للحركة الا فى الذّهن» فانّها ليست شيئا سوى كون الجسم مماسّا لمكان ثمّ زوال تلك المماسة منه إلى وجود مماسة أخرى و المماسّتان سكونان و الزّوال عدم فكيف يأتلف من سكونين و عدم حركة موجودة لكن الذّهن لمّا وجد الجسم تبعّد عن مكان و تقرّب من آخر [١٠٢] متدرّجا سمّاه «متحركا» و سمّى هيئاته المتوهّمة «حركة» فليست حركة الشّمس سوى كونها فى المشرق ثمّ فيما يليه حتّى إلى وسط السّماء فعلى هذا يكون امتداد الحركة امتداد شيء معدوم فلا يكون موجودا، لكنّى أثبت للحركة وجودا و أمنع أن يكون لامتدادها وجود فى الأعيان بل لا وجود له إلّا فى الأذهان فثبت أنّه لا يكون للزّمان وجود الّا فى الأذهان.
و إذا بان ما اردنا بيانه من حقيقة الزّمان وجب أن اتعقب ما قاله ابن سينا و ابو البركات فى هذا المعنى. أمّا ما قاله ابن سينا فى إثبات وجود الزّمان و بيان حقيقته و هو أنّه يجوز أن يبتدأ متحرّكان فى الحركة إلى قوله: «و هذا هو الزّمان» ففيه وجوه من الفساد:
«منها أنّه قال: فثبت وجود مقدار لإمكان وقوع الحركات بين المتقدّم و المتأخّر من المسافة ضعيف لانّه يجب أن يكون لهذا الإمكان امتداد حتى يكون له مقدار، و كيف لا و قد جعل له نصفا و قد ثبت انّه لا وجود للامتداد و ابين من بعد انّ الامكان امر اعتبارى لا وجود له إلّا فى الذّهن فيكون قوله: «فثبت وجود مقدار لإمكان كذا» كاذبا.
و منها انّه ان سلّم وجود مقدار هذا [١٠٣] الإمكان بين طرفى كلّ مسافة و حدود المسافات أكثر من أن تحصى، و يكون كلّ واحد منها زمانا على مقتضى كلامه لزم أن يكون فى الوجود أزمنة أكثر من أن تحصى من هذا الوجه. ثمّ يكون بين المتقدّم و المتأخّر من كلّ مسافة إمكان وقوع حركة على كلّ حدّ من السّرعة و البطء، و حدود السّرعة و البطء فى