حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٥٠ - الفصل الأوّل فى حكاية ما قالوا فى الزّمان و ذكر شبههم المبنيّة على قدم الزّمان
الحركات.
فأثبت ابن سينا بما ذكر قدم الزّمان و عبّر عن اكثر هذا المعانى ملخّصا فى كتاب الاشارات و أثبت به وجود الزّمان قديما فقال الحادث بعد ما لم يكن له قبل لم يكن هو فيه قبليّة قبل لا يثبت مع البعد و فى مثل هذا تجدد بعديّة بعد قبلية باطلة و ليست تلك القبليّة نفس العدم فإنّ العدم قد يكون بعد و لا ذات الفاعل فقد تكون قبل و مع و بعد، فهى شيء آخر لا يزال فيه تجدّد و تصرّم على الاتّصال و هذا لا يمكن إلّا مع حال و تغيّر الحال لا يكون إلّا لذى قوة بغير حال فهذا الاتّصال يتعلّق بتغيّر و متغيّر.
و قال ابو البركات: الزّمان فى العرف العامىّ يتعلّق بالحركة من حيث يتقدّر بها، فيقال اليوم للزّمان المتقدّر بحركة الشّمس من مشرقها إلى أن تعود إليه و قسّمه [٩٢] الجمهور إلى ماض و حاضر و مستقبل و إلى أيّام و شهور و أعوام و غيرهما، و اعترفوا بوجوده و انّ ماضيه لا يبقى مع مستقبله و لا اصغر جزء منه مع أصغر جزء و يطابق تصرّمه و تجدّده حركة الأجسام و سكونها فانّ المتحرّك هو ما لا يكون فى مكان زمانا و السّاكن ما يكون فى مكان زمانا و القبليّة و البعديّة بذاته غير منقطعة، فللزّمان معرفة ثابتة فى النّفوس بحيث لا يتصوّر متصوّر عدمه و لا يعقل انقطاعه مع وجود الحركة و عدمها، امّا مع وجود الحركة فظاهر و امّا مع السّكون فلعدم الحركة مع إمكان مقدر لوجود ما يوجد فيه من الحركة، فيعلم من ذلك انّ معرفته أسبق الى الأذهان من معرفة الحركة فلا يتصوّر حركة زمانا و يتصوّر زمان لا حركة فيه و يمكن الحركة فيه، و الزّمان الّذي هو فيه إمكان حركة السّاكن و وجود حركة المتحرّك.
و من وجه آخر قال لإثبات الزّمان: لو فرضنا ثلث أكر يحرّكها ثلاثة أشخاص إلى جهات أحدها سريعة و الأخرى بطيئة و الثّالثة متوسّطة فابتدأت معا فى الحركة و دارت السّريعة دورتين و البطيئة دورة و فنيتا معا، و المتوسّطة دارت دورة و وقف قبل وقوفها فالسّريعة خالفتهما فى المسافة إذا دارت دورتين و دارت كلّ [٩٣] واحدة منهما دورة و شاركت البطيئة فى شيء به خالفت المتوسّطة و اشتركت الثلث فى بعض ذلك الشّيء و ذلك الشّيء ليس هو المسافة و لا السّرعة و البطء و لا المحرّك و لا المتحرّك إذا فرضنا تلك الاكر مختلفة فى كلّ ذلك