حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٤٥ - الباب الثّالث ٨٢ فى اقامة حجّة اخرى على إثبات حدوث العالم
إنكاره حدوث العالم و اللّه أعلم بالصّواب.
الباب الثّالث [٨٢] فى اقامة حجّة اخرى على إثبات حدوث العالم.
لو كان العالم قديما لم يوجد حيوان مولود و قد وجد فليس العالم قديما و لا كلام فى صحّة صورة هذا القياس و صدق المقدّمة الثّانية. و امّا المقدّمة الاولى فبيان صدقها مبنىّ على دليل التّوقف المذكورة، و هو انّ العالم لو كان قديما لكانت سلسلة من الأولاد المولودين الماضيين بلا نهاية فيكون وجود كلّ مولود منها متوقّفا على وجود ما لا نهاية له، و ما يتوقّف وجوده على وجود ما لا نهاية له لا يوجد، فان كان العالم قديما لم يوجد حيوان. و امّا ما يتوقّف وجوده على وجود ما لا نهاية له لا يوجد فلأنّ الوجود يتقدّم فيه الأوائل على الأواخر بخلاف الأوهام الغالب أحكامها على طائفة الفلاسفة فإنّ فيها يتقدم الأواخر على الأوائل و يستمرّ إلى ما لا نهاية له و امّا الوجود فيبتدى من أوّل و ينتهى إلى ثان فما لم يوجد والد و لم يوجد ولده فوجود الثّاني دليل وجود الأوّل و وجود الأوّل شرط وجود الثّاني، و كذلك الحال فى الثّالث و الرّابع إلى الآخر. و كثرة الوسائط فيما بين الأوّل و الآخر لا يقدح فى حاجة الاخر إلى وجود الأوّل متقدّما عليه، فيتوقّف وجود الوالد الأخير على وجود والده، و يتوقّف [٨٣] وجود والده على وجود والد والده، و هكذا حتّى ينتهى إلى والد غير مولود. فما لم يوجد والد غير مولود لم يوجد مولود. و هذا كما قالوا فى الممكن أنّه يحتاج فى وجوده إلى واجب بذاته، و لا يكون ممكن عن ممكن إلى غير نهاية بل ينتهى لا محالة إلى واجب. و كذلك قالوا المعلول يتوقّف على وجود علّته، و يجب أن ينتهى العلل و المعلولات إلى علّة اولى غير معلولة، كذلك يجب أن ينتهى سلسلة الأولاد و الوالدين إلى والد غير مولود، فلو لم يكن والد غير مولود لم يكن ولد، كما أنّه لو لم يكن واجب لم يوجد ممكن، و لو لم يوجد علّة اولى لم يوجد معلول. و ليس الغرض من ذكر الممكنات و المعلولات وجوب وجود والد أوّل غير مولود فإنّه يثبت بالدّليل العقلى الّذي ذكرته. و أمّا أنّه يلزم من كون العالم بلا أوّل كون سلسلة من الأولاد و الوالدين بلا نهاية فظاهر على أصولهم و لا يمكنهم إنكاره، فإنّ كلّ سلسلة منها لو انتهت إلى والد غير مولود كما يقوله كان قد خلا العالم عن جميع الحيوانات مدّة غير متناهية مع وجود الأفلاك و الكواكب المتحرّكة