حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٤٦ - الباب الثّالث ٨٢ فى اقامة حجّة اخرى على إثبات حدوث العالم
المؤثّرة بحركاتها فى العناصر و وجود العناصر المستعدّة بذلك الامتزاجات تستعدّ بها الموادّ العنصريّة لقبول صور مختلفة [٨٤] تفيض عليها من العقل الفعّال الّذي يسمّونه «واهب الصّور» أشرفها صور الحيوانات و ذلك محال على مقتضى أصولهم.
و أيضا فإنّهم يقولون: «العالم على ما هو عليه من النّظام لازم عن وجود واجب الوجود» و النّظام إنّما هو بوجود الحيوانات على ما هو عليه الآن فلم يخل بالنّظام التّام مدّة غير متناهية ثمّ خلا به و هذا لا يجوز عندهم كما قالوا لا يجوز أن لا يجود بوجود العالم مدّة غير متناهية.
فإن ارتكب و قال: «إنّما خلا العالم عن الحيوانات فى تلك المدّة لأنّ المواد لم تكن قابلة لصورها ثمّ استعدّت فى تلك المدّة لقبولها ففاضت صور الحيوانات كلّ فى وقتها على مادّته المستعدّة لقبولها».
قلنا: هذا الاستعداد يكون شيئا محصورا فلا يحتاج حصولها إلى مدّة غير متناهية. ثمّ الاستعداد يحصل بهيئات توجد للمادّة فى أطوار و فى الزّمان غير المتناهى يكون وجود تلك الهيئات بلا نهاية و توقّف وجود كلّ واحد منها على وجود ما لا نهاية له فيلزم منه ما لزم من الأولاد و الوالدين.
فإن قيل: العلل و المعلولات تكون موجودة لأنّ العلّة بالحقيقة ما يقارن وجود المعلول وجودها و تكون العلل و المعلولات مترتّبة بالطّبع فيمكن فى عددها الإطباق المذكور كما فى المقدار غير المتناهى فلذلك يستحيل [٨٥] وجودهما بغير نهاية. و ليس كذلك الأولاد و الوالدون فإنّ الولد لا يجب أن يكون موجودا مع وجود والده فإنّ الوالد ليس علّة للولد على الإطلاق بل بعض من علّته و لذلك فقد يكون الوالد بلا ولد و الولد بلا والده و إذا لم يكن الوالدون و الأولاد موجودة معا لم يكن فى عددها الإطباق المذكور فلم يمتنع وجودها بلا نهاية.
بيان ذلك أنّه إذا كان آحاد الشّيء موجودة معا كان لها عدد و ترتيب بالطّبع فيمكن إطباق عددها النّاقص بآحاد على عددها التّام بالتّوهّم. فيلزم المحال المذكور، و إذا لم يكن آحاد الشّيء موجودة معا لم يكن لعددها ترتيب فلا يمكن الإطباق المذكور فى عدده و