حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٣٣ - الفصل الثّاني فى الجواب على ما اعترض به على قولنا «انّ ما لا نهاية له لا يوجد»
العالم ممتنعا.
فهده هى الحجج [٦٠] الّتي زعمت الفلاسفة إنّها براهين قاطعة و قد ظهر انّها مبنيّة على توهّمات فاسدة و تخيّلات باطلة و فى كلّ واحد منها أغلوطة خفية مكمنها فى كلّها موضع واحد و هو أنّهم فرضوا أوّلا خطّا غير متناه ثمّ جعلوه متناهيا و ألزموا من كونه متناهيا أنّه متناه. بيان ذلك انّه فى الحجّة الأولى إنّما يكون خطّ واحد مشتمل على زيادات غير متناهية إذا كان آخر الخطوط و واصلا بين نهايتى الخطين الطّرفين و إلّا فكلّ خطّ قبل ذلك يكون مشتملا على زيادات متناهية، ففرض ابن سينا الخطّين الأوّلين غير متناهيين و الخطوط الواصلة بينهما غير متناهية ثمّ جعلها متناهية. و فى الثّانية جرّ الخطّ الأقصر و أطبقه على الأكبر و إنّما يمكن جرّه إذا كان متناهيا تتحرّك نهاية و تنجّر. و فى الثّالثة إنّما يتحرّك الخطّ الخارج من مركز الكرة بحركة الكرة إذا كان متناهيا. و فى الرّابعة إنّما يمكن إضافة خطّ إلى خطّ له طرف و نهاية فإذن إنّما ألزموا كون الخطّ متناهيا من كونه متناهيا.
فالعاقل المنصف يجب أن يعتبر من حال هذه الحجج الّتي أقاموا على حق جلى حال حججهم القائمة على مطالب لهم باطلة غامضة من الإلهيّات و قد بين ببيان بطلان هذه الحجج ان امتناع [٦١] وجود ملاء أو خلاء غير متناه ليس بوجود أجزاؤه معا مترتبة يمكن الإطباق فيه أو يقع فيه حركة كما زعموا بل لانّ وجود غير المتناهى على الإطلاق محال سواء كانت أجزاؤه موجودة معا مترتبة كالفلك و المقادير أو غير مترتبة كنفوس الإنسان أو موجودة على التّعاقب كدورات الفلك و صحّ انّ قولنا كل ما لا نهاية له لا يوجد صادق بين من غير حاجة لمن تأمّل أدنى تأمّل معنى ما لا نهاية له إلى دليل لكن قد وقع امر فى ظهور صدقه و هو ان البارى تعالى ركّب فينا قوّة تسمّى الوهم لا تقبل المعقول المحض البتة إنّما يحكم فيه على وفق ما احسسناه به كما إنّما لمّا نحسّ بموجود غير مشار إلى جهته حكم و همنا بان كلّ موجود مشار إلى جهته سواء كان محسوسا أو غير محسوس. و كما انّا لمّا لم نحسّ بجسم ليس وراءه جسم محسوس أو مكان خال عن جسم محسوس حكم و همنا بان الأجسام امّا أن لا تتناهى او تنتهى إلى فضاء ممدود لا يتناهى. و كذلك لما لم نحسّ بيوم ليس قبله يوم و بعده يوم و لا بدورة ليس قبلها و بعدها دورة و لا بحادث من الكائنات