حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٣٤ - الفصل الثّاني فى الجواب على ما اعترض به على قولنا «انّ ما لا نهاية له لا يوجد»
ليس قبله حادث و بعده حادث و لم يتناه إدراكنا إلى أوّل و آخر [٦٢] للايّام و الدّورات و الحوادث و إلى نهاية الأجسام حكمت أوهامنا بانّه لا أول و لا آخر للايام و الدّورات و الحوادث و بانّ الأجسام امّا ان لا تتناهى او تنتهى إلى فضاء ممدود لا يتناهى.
و كلّ هذه احكام كاذبة لانّها أحكام فى غير المحسوس على وفق ما هو محسوس و يقضى العقل بكذب حكم الوهم إذا كان بدليل يصدّق الوهم مقدماته و يسلّم كون الدليل صحيح الصّورة منتجا للمطلوب لكن إذا بلغ إلى المطلوب امتنع عن قبوله و التّصديق به لأنّ قبوله يكون على خلاف ما هو مجبول عليه لانّ جبلة الوهم على أن لا يقبل ما ليس على وفق المحسوس، و ذلك كما ان الوهم يوافق العقل فى الحكم بان كلّ مشار إلى جهته يحتاج إلى موجد له فيكون موجد كل مشار إلى جهة غير مشار إلى جهته و إلّا لاحتاج إلى موجد فلا يكون موجد كلّ مشار إلى جهته مشارا إلى جهته إذا قيل انّ اللّه تعالى موجد كلّ مشار إلى جهته فهو موجود غير مشار إلى جهته لم يصدق بذلك لانّه على خلاف ما هو محسوس فيكون قبوله على خلاف ما هو مجبول عليه فكذلك ما نحن فيه من الأحكام المخالفة للمحسوس.
فالفلاسفة تتّبعوا فى كثير من المطالب الّتي هى على خلاف المحسوس أحكام [٦٣] الوهم فيها و قبلوها سيّما ما يلزم من القول بقدم العالم فقالوا بوجود غير المتناهى من الزّمان و حركة الأفلاك و النّفوس و الأكوان و الفسادات لأنّها لوازم قدم العالم و ابوا عن قبولها فيما لا يلزم عن ذلك فلم يجوّزوا وجود أجسام غير متناهية و خلاء غير متناه و علل غير متناهية و قاسوا الأمور الماضية على الأمور المستقبلة و قالوا: كما يستحيل ان يوجد امر منها بعد امر إلى غير نهاية كذلك ليس بمحال أن يكون قد وجد امر قبل امر إلى غير نهاية فلم يكن امر وجد إلّا و قد وجد قبله امر آخر كما لا يوجد فى المستقبل أمر إلّا و يعدم و يتلوه وجود أمر آخر مثله. و فرّقوا بين ما جوّزوا وجوده من غير المتناهى و بين ما لم يجوّزوه منه على مقتضى مرادهم و تشبيههم فقالوا ما لا يكون آحاده مترتبة فى الوجود و ان اجتمعت فى الوجود كالنفوس او كانت مترتبة فى الوجود لكن لم تجتمع فيه كدورات الأفلاك جاز وجوده و ما كان أجزاؤه مترتبة فى الوجود و مجتمعة فيه كالأجسام و الفلك