حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٣٦ - الفصل الثالث فى الجواب مما اعترض به على المقدمتين الباقيتين
قال: على قولنا جملة الأمور الماضية قد وجدت و انها بما هى جملة لم يوجد و إنّما يوجد كلّ واحد منها.
اقول: لا نزاع فى انّها إذا حملت على دورات الفلك لم توجد مجتمعة لكن إذا وجد كلّ واحد منها وجد كلّها لان ما وجد كلّ واحد من آحاده وجد كلّه، و انكاره صدق هذا القول مكابرة على العقل و جحد لبديهته، فانّه إذا وصف كلّ واحد من شيء بأنّه وجد سواء عدم بعد ذلك او لم يعدم حصل عند العقل كلّ لآحاده موصوف به وحد فان الكلّ عبارة عن آحاد [٦٦] الشيء إذا اعتبرها الذّهن معا سواء كانت مجتمعة فى الوجود أو غير مجتمعة أو موجودة معا أو غير موجودة ككلّ النّاس و كلّ المسلمين.
قال: النّاس يقولون كلّ كذا و كذا و يعنون ان الكلّ بما هو كلّ كذا و يعنون أيضا بان كلّ واحد كذا و بان يصدق أحدهما فى موضع لا يلزم ان يصدق الآخر:
أقول: نعم قد يكون للكلّ بما هو كلّ حكم خاصّ فلا يجب ان يصدق ذلك الحكم على كلّ واحد و قد يكون لكلّ واحد حكم خاصّ بكلّ واحد و لا يصدق ذلك الحكم على الكلّ بما هو كلّ. أمّا إذا لم يكن المحكوم به على كلّ واحد خاصّا به وجب ان يحكم به على الكلّ مطلقا لا من حيث انّه كلّ لانّ ذلك الحكم على كل واحد يكون باللّفظ المفرد و على الكلّ بلفظ الجمع كما يقال كلّ واحد أبيض و الكلّ بيض و كلّ واحد موجود و الكلّ موجودون و الحكم على كلّ واحد من الأمور الماضية بانّه وجد ليس خاصّا بكلّ واحد منها فلا يمنع صحّة ذلك ان يقال كل تلك الأمور وجدت.
قال: كلّ واحد من الأمور الماضية يصحّ ان يقال أنّه وجد و عدم و لا يصحّ ان يقال انّ لها كلّا وجد و عدم.
أقول: لا بل يصحّ ذلك إلّا انّه لا يصحّ ان يقال ان كلّها وجدت معا و نحن لم نقل ذلك بل قلنا انّ كلّها وجد مطلقا و أمّا ما قاله فيما تمثّل به [٦٧] من الأمور المستقبلة و هو انّها غير متناهية و يمكن ان يوجد كلّ واحد منها فغير صحيح و إن كان قد يسبق الوهم إلى الحكم بصحّته إذا دقّق النّظر فيه تبيّن انّه كاذب و ذلك انه لو أمكن ان يوجد كلّ واحد منها لامكن ان يوجد كلّها لكن لا يمكن وجود كلّها فلا يمكن وجود كلّ واحد منها و لا شكّ فى انّه