حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٩٩ - الفصل الثّالث فى الكلام على شبههم فى نفى العلم و المعرفة عن اللّه تعالى إلّا بذاته
جلّ عن ذلك جلّ عن الإرادة و الحركة.
و الجواب عن هذه الشّبهة أن يقال: إنّ التكثّر الّذي ألزمه تكثّر فى الصّفات لا فى الذّات و هذا التكثّر واجب لأنّ اتّصاف ذات اللّه تعالى بصفات الكمال واجب لما نبيّنه من قبل، و أمّا الإرادة و انّها تكون لغرض هو المراد من الفعل و هو الّذي وجوده من المريد أولى من عدمه فغير صحيح، فإنّ الإرادة تكون للفعل و الفعل منّا يكون لغرض و تمثّل الغرض فى ذهننا يكون سببا [١٨٥] لإرادة الفعل فلا بدّ فى الفعل من الإرادة فإنّ الإرادة على ما ذكرنا صفة مخصّصة أحد المثلين عن الآخر بالإيجاد فتخصيص المفعول إن كان جسما بأحد الأشكال و الأقدار و الأوضاع المتماثلة، و إن كان غرضا باخذ المحال و إحدى الدّرجات فى الشّدّة و الضّعف إن كان قابلا لهما لا يستغنى عن الإرادة، و هذا التخصيص فى إرادتنا قد يكون لعوض و قد يكون لا لعوض كما اريناه فى الأمثلة المذكورة و اللّه تعالى منزّه عن الغرض مستغنى عن العوض فلا يكون تخصيص إرادته لغرض و فعله لغرض. و لا يجوز ليشرف و يحمد بل لانّه كريم شريف حميد مجيد، و لا ليصير مستحقّا للمدح بل لأنّه مستحقّ للمدح، و يفعل ما هو أولى و أحسن لا ليكون أولى به و أحسن منه بل لأنّ الحكيم لا يفعل إلّا ما هو أولى و أحسن، فلو لم يخلق العالم لم يلزمه نقص و ذمّ و لم يلحقه لوم، و خلقه لا ليشرف و يكثر بذلك بل لأنّه بذاته جواد كريم شريف كبير، و الجواد الكريم و الشّريف الكبير يريد أن يجود و ينعم و يحسن لأنّه جواد كريم لا لعوض و غرض. و امّا الّذي يفيض عنه فائدة من غير قصر منه إلى ذلك و اختيار و إرادة لذلك فيكون جمادا لا جواد، فالجواد و الكريم [١٨٦] هو الجبل الّذي يخرج منه الذّهب و الفضّة و الجواهر النّفيسة لا العقلاء و لا يخفى فساد هذا المقال فتبيّن أنّ شبهتهم مزخرفة مموهة بعبارات لا معنى تحتها.
الفصل الثّالث فى الكلام على شبههم فى نفى العلم و المعرفة عن اللّه تعالى إلّا بذاته.
انّ قدمائهم الّذين سمّوا أساطين الحكمة كافلاطون و أرسطاطاليس و سقراط قالوا: انّ المبدأ الأوّل و عنوا به اللّه تعالى لا يعلم إلّا ذاته بذاته أى ذاته نفس علمه و ليس علمه بذاته شيئا وراء ذاته و لا يعرف شيئا من الموجودات الاخر البتة. و المتأخّرون منهم كأبي نصر الفارابى و ابن سينا و شيعتهما استنكفوا عن إظهار هذا الاعتقاد ففسّروا و تحمّلوا بتمحّل