حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٤ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
قولهم إنّ العالم لم يزل و لا يزال على ما هو عليه الآن من حركات الأفلاك و استحالات العناصر و تركّباتها و انحلالاتها.
و منها: قولهم بوجود ذات لا صفة لها و لا حقيقة سوى الوجود المحض و يسمّونها «العلّة الأولى»، و انّه يلزم من وجود تلك الذّات وجود ذات أخرى مثلها فى التّفرّد و التّجرّد يسمّونها «عقلا أوّلا»، و يلزم وجود الذّات الثانية وجود عقل ثان و فلك، و يلزم وجودهما وجود عقل ثالث و فلك ثان، و كذلك يلزم وجود كلّ عقل وجود عقل و فلك آخرين إلى فلك القمر، و يلزم وجود العقل الّذي معه وجود العناصر. و هذه الأشياء متلازمة فى الوجود لا تقدّم لوجود بعض على بعض و لا قصد لشيء منها إلى أن يلزم الّذي يتلوه عنه لا للأوّل و لا لغيره.
هذا مجمل معتقدهم فى وجود العالم و سيأتى تفصيله و بيان فساده فى موضعه إن شاء اللّه تعالى. و إذا ثبت حدوث العالم لزم بطلان جميع ذلك.
و منها: قول متقدّميهم أنّه تعالى عن قولهم لا يعلم إلّا ذاته و قول متأخّريهم أنّه لا يعلم إلّا الكلّيّات الّتي لا وجود لها فى الأعيان، و إذا ثبت أنّ العالم حادث ظهر انّه لا يمكن ايجاده على ما هو عليه من الاتّفاق و النّظام إلّا بأنّ يعلم موجده جميع جزئيّاته و أجزائها و أجزاء أجزائها إلى ما يدقّ عن الأوهام إدراكه و كيفيّة وجود النّظام فى تراكيبها.
و منها [٧] إنكارهم النّشر و الحشر و جميع ما وعد و أوعد به الأنبياء- عليهم السّلام- من الجنّة و النّار و الثّواب و العقاب و غيرها بل، و إنكارهم أن يكون من اللّه تعالى وحى إلى بشر ينزّله إليه ملك، و إنّهم لا يجوّزون أن يكون لواجب الوجود صفة أصلا فضلا عن الكلام، و أن يكون للعقول الّتي يقولون إنّها الملائكة تحيّز فضلا عن النّزول، و يحيلون خرق الأفلاك و الحركة فيها و وجود المعجزات و هى أمور خارقة للعادة سوى ما يجدون له من ذلك وجها لا يخرج بذلك عن كونه جاريا على مجرى العادة كما نبيّنه الآن.
فقالوا فى النّبيّ أنّه آدميّ، له نفس شريفة قويّة، تتّصل بقوّتها الجبلّيّة بالعقل الأخير الّذي فيه جميع المعقولات، و هى الأمور الكلّية فيتنفّس بها و يطالع ما فى نفوس السّماوات من صور الحوادث الّتي تلزم من حركاتها فيما يستقبل من الزّمان، فترتسم بها و تتيسّر هذه