حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٦ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
للإنسان عارض خوف أو حزن فتنحطّ قوّته إلى حدّ يعجز عن عشر ما كان يفعله سهولة، و قد يعرض له عارض غضب أو منافسة أو انتشاء معتدل أو فرح مطرب فيتضاعف منتهى قوّته، فلا عجب أن تعنّ للعارف هزّة كما تعنّ عند الفرح فاولت قواه سلاطة أو عشبته عزّة كما نعشى عند المنافسة فاشتعلت قواه حميّة و يكون [١٠] ذلك أعظم ممّا يكون عن غضب أو طرب لأنّه تصريح الحقّ و مبدأ القوى.
و من ذلك استجابة دعاء العارف فقال فيه: أنّه قد تبلغ نفس قويّة فى الجبلة سيّما إذا كانت مرتاضة إلى أن تصير كأنّها نفس العالم، فتتصدّى بتأثيرها إلى أجرام أخر فينفعل عنها انفعال بدنها، حتّى إذا استسقى صاحبها النّاس سقوا أو استشفى لهم شفوا أو دعا لهم صرف عنهم الوباء و الموتان و السّيل و الطّوفان، أو دعا عليهم خسف بهم أو زلزلوا أو أهلكوا بوجه آخر أو خشع لهم سبع أو لم ينفر عنهم طائر و تتعدّى عن قواها الخاصّة بها إلى قوى نفوس أخرى تفعل فيها فتقهر شهوة أو غضبا أو خوفا من غيرها.
فجوّز من المعجزات بهذه الترّهات هذا. و لم يحم حول غيرها من المعجزات الّتي تواترت الأخبار بوجودها، كإحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و قلب العصا ثعبانا و فلق القمر، و إعجاز جميع البلغاء عن الإتيان بسورة ممّا هو من جنس كلامهم إلى أمثال ذلك. و إنّما ما فعل ذلك لأنّ هذه و أمثالها من الممتنع عنده و إلّا لتمحّل وجها و إن كانت فى غاية البعد كما قال فى كتاب الشّفاء: أنّه إن صحّ ما يقال من تحجّر حيوانات و نبات ببعض البقاع. [١١] فالسّبب فيه شدّة قوّة محجّرة تحدث فيها. سبحان اللّه كيف ارتكب هذا الأمر المستفيض الخبر بوقوعه، و لم يتأمّل أنّ المعادن تولّد المعدنيّات الّتي فيها استعداد تولّدها فيها متدرّجة التّغيّر فى أزمنة طويلة مع اتصالها بها بغتة فى بقعة قوّة محجّرة تحجّر الحيوانات المنفصلة عنها فى الحال. و الكلام فى بيان فساد هذا الوجه و غيره من الوجه الّتي ذكرها فى المعجزات الأخر طويل ليس هذا موضع شرحه.
و ثبوت حدوث العالم يثبت انّ اللّه تعالى قادر على ايجاد ما يريده من غير مادّة متقدّمة عليه إذا كان ممكنا كان معتادا أو غير معتاد، و انّ الممكن المعتاد و غير معتاد بالنّسبة إلى قدرته على السّواء. فيعلم أنّه كما قدر على خلق الإنسان الأوّل و الثعبان الأوّل و إيجاد