حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٢ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
عليه غاية امنيّته و قصارى همّته. فإذا فهمه و ظفر بمطلوبه و محبوبه تعلّق به و أمسكه و أعمى عن عيوبه كانّه المعشوق الّذي سعى فى أثره مدّة، و تعب فى طلبه برهة. فهؤلاء يجب أن يمنعوا و يزجروا عن الشّروع فى هذه العلوم، و يعنفوا و يعزّروا إن شرعوا فيها.
و أمّا من رغب فى علومهم للتوصّل إلى السّعادة الاخروية هم الّذين اعتقدوا تقليدا انّ تلك السّعادة تحصل بقهر القوى البدنيّة لتزكية النّفس عن الأخلاق الرّديّة و تحليتها بالعلوم العقليّة الّتي اعتقدوا انّها تفيض عليها بعد التّزكية من غير تعلّم و كسب، و سمعوا انّ الفلاسفة يقولون إنّ النّفس بعد مفارقة البدن تسعد بكونها زكيّة عن العلائق البدنيّة محلّاة بصور المعانى العقليّة [٢٢] فمالوا إلى اعتقادهم لموافقة بعض كلامهم معتقدهم. فهؤلاء تنبّهوا على فساد مقالاتهم و تبصّروا أنّ جميع ما يقولون من أحوال ما بعد الموت رمى فى عماية لا يستند إلى دليل صحيح و لا يعتمد على سماع من قائل صادق.
و بعض الظّاهرين اعتقدوا لبلاهتهم كلامهم بمجرّد ما سمعوا إنّهم حكماء عقلاء و انّ كلامهم الحكمة و البحث عن الحقّ و الحقيقة و فى العقليّات و الالهيّات، فاغترّوا بهذه الأسامى من غير بحث عن المسمّيات بها و وقوف على معانيها. و لم يزل رؤساء الباطنيّة و دعاتهم من أبناء المجوس الّذين كانوا يظهرون الإسلام و يبطنون عداوته و يسعون فى إفساده و إبطاله بكل ما أمكنهم من الحيل يتفلسفون و يدرّجون كتب الفلاسفة و أقاويلهم فيما بين المسلمين لكنّها لم تظهر كظهورها فى أيّام الديالمة بابن سينا، و كان أبوه من الباطنية على ما حكى تلميذه ابو عبيد الجوزجانى فى تاريخه فحمله خبث طينته و سوء عقيدته الموروثة عن أبيه على ان أكبّ على تحصيل علوم الفلسفة أوّلا، ثمّ اجتهد مع أنّ قد رزقه اللّه تعالى فرط ذكاء و قوّة طبع فى ترتيبها و تمحّل ادلّتها، ثمّ صنّف فيها كتبا طوالا [٢٣] و اوساطا و قصارا، و كتب أيضا رسالات كثيرة أفصح فى جميعها بالمقالات المخالفة للإسلام من غير مبالات و تنبّه بقوّة وزارته و ضعف دين صاحبه و سمّى كتبه باسام حسنة كالشّفا و النّجاة و الهداية و الشّبهات و المعاد و الحكومة، و درّسها على رءوس الأشهاد و راسل أهل زمانه بآراء ابتدعها فى فنون هذا العلم. و كان مع ذكاء القريحة مسترسلا فى العبارة قادرا على التّمويه و التلبيس فيها و كان المنحازون إلى حملته لحرمته و نعمته، و