تزكية النفس - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٥١٨ - الفصل الواحد والثلاثون حُبّ الله
يا ربنا، ما بلغ بعبادك هذه الكرامة ؟ فيقول الله ـ جلَّ جلاله ـ إنَّهم كانوا يقومون بالليل ولا ينامون، ويصومون بالنهار ولايأكلون، ويجاهدون العدوَّ ولا يجبنون، ويتصدَّقون ولا يبخلون»[١].
الرابعة : من علامات حبِّ الله حبُّ الجهاد وتعشُّق الشهادة. وقد يكون ناظراً إلى هذا صدر الحديث الذي مضى ذكره قبل صفحات عن قِصَّة الحسين
في وقعة كربلاء: كان الحسين
وبعض مَن معه من خصائصه كُلَّما اشتدَّ الأمر تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم[٢].
والسرُّ في جعل هذه العلامة مستقلَّةً عن حبِّ الموت الذي مضى الحديث عنه هو: أنَّ هذا أعلى مستوىً من مستويات البذل في الله والتضحية في سبيل الله، فلا شيء لدى الإنسان من أُموره الدنيوية أغلى من نفسه وحياته: لا ماله، ولا أهله وعياله، ولا أصحابه وأحبَّاؤه، فإذا بذل مهجته في سبيل الله متعشِّقاً ذلك، كان هذا آية حبِّه لله تعالى.
وقد ورد في الحديث :
١ ـ عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه
أنَّ النبيّ
قال: « فوق كلِّ ذي بِرٍّ برٌّ حتّى يُقتل في سبيل الله، فإذا قُتِلَ في سبيل الله فليس فوقه بِرٌّ. وفوق كلِّ ذي عقوق عقوقٌ حتّى يقتل أحد والديه، فليس فوقه عقوق»[٣].
فالسرّ في كون القتل في سبيل الله فوق كلِّ برٍّ، ما أشرنا إليه: من أنَّه أقوى درجات التضحية والبذل. والسرُّ في كون قتل أحد الوالدين فوق كلِّ عقوق: أَنَّ العقوق يحصل من هضم ذي الحقِّ حقَّه، ولا يوجد بحسب الحقوق البشريَّة فيما
[١] المصدر السابق : ص ١٣٩.
[٢] راجع بحار الأنوار: ٦/١٥٤، و ٤٤/٢٩٧.
[٣] الوسائل ١٥/١٧، الباب ١ من جهاد العدوِّ، الحديث ٢١.