تزكية النفس - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٤٧٨ - الفصل الثلاثون الانبساط
السفر الأوَّل : هو السير إلى الله سبحانه وتعالى، وبه يطوي السالك المنازل والأحوال والمقامات إلى أن يصل إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ وصولَ عيان، وليس وصول دليل وبرهان، ويفنى في الله عزَّوجلَّ، ويبقى بعد الفناء بقاءً في الله سبحانه وتعالى. وبانتهاء السفر الأوَّل يفترون عن الأعمال الشاقَّة، ويقتصرون على الفرائض والسُّنَن الرواتب; لما حصل لهم من الطمأنينة. قالوا : وأوَّل وصوله لا يخلو غالباً من اصطلام وسُكْر; لأنَّ لهذا الشهود سطوةً تقهر كلَّ شيء; لفناء الكلّ فيه عند تجلِّيه، فإذا صحا واستأنس بشهوده رأى جمال الذات بعينه; إذ لا غير ثمَّة، فشهوده شهود للحقِّ بذاته، فكان الشاهد في قوله تعالى : ﴿وَشَاهِد وَمَشْهُود﴾[١] عين المشهود[٢].
السفر الثاني : يبدأ بالبقاء في الله. ويكون هذا السفر هو : السير في الله، أي : في مراتب أفعاله، وصفاته، وأسمائه. والتنقل فيه يُسمَّى التلوين في التمكين. قالوا : والناس يعظِّمون صاحب السفر الأوَّل أكثر ممَّا يعظِّمون صاحب السفر الثاني; لبُعد الثاني عن إدراكهم.
السفر الثالث : وبعد كمال السفر الثاني (وانتهاؤه القطبيَّة الوجوديَّة التي هي مركز المراكز، وصاحبها قطب الأقطاب) تكون بداية السفر الثالث، وهو : سفر المرسلين. ويُسمَّى السفر بالله إلى خلقه. وفيه يكون التنزُّل إلى مقادير العقول; لدعوتهم إلى الله.
السفر الرابع : هو : الرجوع إلى الله عزَّوجلَّ، والبقاء بالله. ويُسمَّى سفراً بالموجود إلى الوجود. وأكثر ما يكون هذا السفر عند الموت. وإليه أشار رسول
[١] السورة ٨٥ ، البروج، الآية : ٣.
[٢] راجع بلحاظ هذه الجملة بالذات شرح الكاشاني لمنازل السائرين : ص ١٦٤ لدى شرح الدرجة الثالثة للطمأنينة.