تزكية النفس - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٢٨٠ - الفصل الثالث التـفكّر والتـذكّر
منكم أعماراً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، أصبحت أصواتهم هامِدَة، ورياحهم راكِدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية. فاستبدلوا بالقصور المشيّدة، والنمارق الممهّدة، الصخور والأحجار المسنّدة، والقبور اللاطئة المُلحّدة التي قد بُنيَ بالخراب فِناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلُّها مقترب، وساكنها مغترب بين أهل محلّة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين، لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدار، وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بِكَلْكَلِهِ البِلى، وأكلتهم الجنادِل والثَّرَى ...»[١].
وقد روي أ نّه «سُئِلَ عيسى
مَنْ أفضل الناس؟ قال: مَنْ كان منطقه ذكراً، وصمته فكراً، ونظره عبرةً»[٢].
وعن الصادق
قال: «كان أمير المؤمنين
يقول: نبّه بالتفكّر قلبك، وجافِ عن الليل ساجداً، واتّقِ الله ربّك»[٣].
وإنّني أختم الحديث في هذا الفصل بذكر روايتين واردتين بشأن الآيات المباركات التي افتتحنا بها هذا الفصل:
الاُولى : رُوي عن ابن عمر[٤] قال: «قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله
؟ فبكت وأطالت، ثُمّ قالت: كلُّ أمره عجب، أتاني في ليلتي، فدخل في لحافي حتّى ألصق جلده بجلدي، ثُمّ قال لي: يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربّي؟ فقلت: يا رسول الله إنّي لأُحبّ قربك، وأُحبّ مرادك، قد أذنت لكَ، فقام إلى قِرْبة من الماء في البيت، فتوضأ ولم يكثر من صبّ الماء، ثُمّ قام
[١] نهج البلاغة: ٤٧٥ ـ ٤٧٦، رقم الخطبة: ٢٢٦.
[٢] تفسير البرهان ١/٣٣١.
[٣] المصدر السابق.
[٤] التفسير الكبير للرازي ٩/١٣٣ ـ ١٣٤.