تزكية النفس - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٣٩٧ - الفصل الثامن عشر التوكّل
أعدل وأحكم من ذلك. قال : ثُمّ قال : قال الله : يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي. عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك»[١].
انظر إلى هذه الرواية الطريفة كيف تشير إلى إفاضة القدرة من الله وانتساب الفعل إلى العبد، وتقول عن لسان الله تعالى : « يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك »; لأنّ قدرتك عليها منّي. « وأنت أولى بسيّئاتك منّي »; لأنَّ قدرتك التي أخذتها منّي صرفتها فيما هو مبغوض لي بحسب عالم التشريع.
والخامسة : الرواية المرويّة عن جعفر الصادق
أ نّه قال لقدريّ : «اقرأ الفاتحة، فقرأ، فلمّا بلغ قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[٢]. قال له جعفر
: على ماذا تستعين بالله وعندك أنّ الفعل منك، وجميع ما يتعلّق بالأقدار والتمكين والألطاف قد حصلت وتمّت ؟ ! فانقطع القدريّ»[٣].
أمّا ما قاله صاحب منازل السائرين من: أنّ الدرجة الثانية للتوكّل تشتمل على ترك الأسباب طلباً للاجتهاد في التوكّل، فهذا كلام باطل; وذلك لأنّ الله تعالى وإن كان هو المدبّر للأُمور ﴿يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الاَْرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾[٤] وهو ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ ...﴾[٥].
إلاّ أنّ تدبيره على نمطين :
أحدهما : تدبيره لما لا يعقل ولا يدرك ولا يريد ولا يختار كما في الجمادات والنباتات، فهو يدبّر أمرها أفضل تدبير من دون توسّط اختيار تلك الأُمور
[١] المصدر السابق : ص ١٥٧ الحديث ٣.
[٢] السورة ١، الحمد، الآية : ٥.
[٣] مرآة العقول : ٢ / ١٧٩.
[٤] السورة ٣٢، السجدة، الآية : ٥.
[٥] السورة ٣٢، السجدة، الآية : ٧.