تزكية النفس - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٤٨٤ - الفصل الثلاثون الانبساط
عن ذلك علوَّاً كبيراً ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ...﴾[١]، ﴿... أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ...﴾[٢]، ﴿... وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَما كُنتُم ...﴾[٣] في حين أنَّ الرؤية في المقام ليست رؤية بالعين، بل رؤية بالفؤاد، بدليل قوله تعالى : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، وأمَّا قوله تعالى : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ فهذه رؤية بالباصرة راجعة إلى سدرة المنتهى، وجنّة المأوى، وآياته الكبرى.
وقد ذكر بعض الأعلام لتضعيف التفسير الأوَّل، وتأييد التفسير الثاني وجوهاً، منها ما يلي :
١ ـ الضمائر في جملة : ﴿أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ تعود إلى الله بلا شكٍّ. فكذلك باقي الجمل بمقتضى وحدة السياق.
٢ ـ قوله ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ لايناسب تفسيره بجبرئيل; فإنَّه ليس معلِّماً لرسول الله
، وإنَّما هو بمنزلة ساعي البريد في إنزال الوحي، ورسول الله
أعلى درجة منه; ولذا صعد في المعراج إلى مرتبة عجز عنها جبرئيل، وقال : «.. لو دنوت أنملة لاحترقت»[٤].
٣ ـ مشاهدة جبرئيل بصورته الأصليّة ليست لرسول الله
منزلة عالية بحيث يهتمّ بها القرآن بمثل قوله : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾.
٤ ـ رؤية جبرئيل تناسب أن تكون رؤية بالباصرة لا بالفؤاد، في حين أنَّ الله تعالى يقول : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
٥ ـ المعنى المؤيّد في الروايات إنَّما هو : التفسير الثاني لا الأوَّل، وذلك من قبيل
[١] السورة ٦، الانعام، الآية : ١٠٣.
[٢] السورة ٢، البقرة، الآية : ١١٥.
[٣] السورة ٥٧، الحديد، الآية : ٤.
[٤] البحار ١٨ / ٣٨٢.