جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٢٤ - المدارس و أثرها
و كان هذا التهاون في دراسة الفقه و الترك لمنابعه الأصيلة، و اعتماد كتب انقطعت سلسلة الرواية لها، من عوامل تأخّر علم الفقه.
لقد فتح هذا التهاون بابا واسعا من الشرّ، حتى حمل التلمساني و المقري من فقهاء المالكية على القول بأنّ كثرة التأليف قد أفسدت الفقه، لأنّ الرواية قد تركت و انقطعت سلسلة الاتّصال، فكثر التصحيف، و نقلت الأحكام من كتب لا يدرى ما زيد فيها و ما نقص، و قد كان أهل المائة السادسة و صدر من السابعة لا يجوّزون الفتيا من كتاب «التبصرة» للّخمي، لأنّها لم تصحح على مؤلّفها و لم تؤخذ عنه، و أكثر الناس اليوم لا يسيرون على هذا النمط، و لهذا كان التأليف سببا لفساد الفقه [١].
المدارس و أثرها:
كانت الدراسة الدينيّة عموما من مهام المساجد و بيوت العلماء، و قد استمرت على ذلك عدّة قرون.
و كان هذا من الأمور التي تفسح بعض الحرّية أمام الأساتذة و الطلاب في البحث و النقد و التحليل.
ثمّ كانت أوّل مدرسة هي المدرسة النظاميّة التي أنشأها الوزير نظام الملك بنيسابور، ثم توالى إنشاء المدارس النظاميّة في بغداد و دمشق و غيرهما من البلاد.
و كثر إنشاء المدارس في عهد الأيوبيين و المماليك في بلاد مصر و الشام و ما والاها، كما كثرت في عهد الأتراك العثمانيين، و كان من أشهرها مدارس الأستانة الثمان [٢].
و كانت المدارس تقبل من يخضع لقوانينها، و تترك الفضلاء الذين همّهم حرّية الدرس و البحث [٣].
[١] موسوعة جمال ١: ٥١.
[٢] انظر موسوعة جمال: ٤٠.
[٣] يلاحظ أن المدارس الشيعية لم تخضع لنظام الحاكم يوما ما على طول تاريخها من صدر الإسلام إلى الآن، فكانت حرّة في البحث و الدرس و استمر الاجتهاد إلى يوم الناس هذا.