جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٣٢ - الدور الثاني(دور التدوين)
و كان ابن أبي عقيل لا يرى حجّية خبر الواحد، و كانت فتاواه تعتمد على الأمور المسلّمة في القرآن و الحديث، و لم يعتمد إلّا على الأحاديث التي لا شكّ و لا شبهة فيها، و التي هي قويّة محكمة، و كانت آراء ابن أبي عقيل مورد تقدير و احترام العلماء الأعلام.
و اما ابن الجنيد فقد كان يرى حجّية الأحاديث المذهبيّة، الغير القطعيّة.
و لأجل الدفاع عن نفسه أمام هجمات علماء زمانه ألّف كتبا عديدة منها «كشف التمويه و الإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس» و «إظهار ما سرّه أهل العناد من الرواية عن أئمّة العترة في أمر الاجتهاد» و هو أثر بين في كيفية استدلاله في الفقه، و كتابه «المسائل المصرية» أثر بين في طريقته الفقهيّة.
و قد ظهر نتيجة لاختلاف مسلك المحدّثين، و مسلك القديمين في الفقه، مسلك ضعيف لم يستمر طويلا، و هو مسلك يعتمد الظاهر في الأحكام الفقهيّة، و من أهمّ القائمين به أبو الحسين الناشي علي بن عبد اللَّه بن وصيف، المتوفّى ٣٦٦ ه، و قد انقرض و لم يبق منه أثر في الفقه الشيعي.
٣- علماء جمعوا بين المباني العقليّة و الحديث في استنباط الأحكام الشرعية، و من إعلامهم:
أ- الشيخ المفيد المتوفى سنة ٤١٣.
كان مجددا في الفقه و الكلام بلا شكّ و قد استطاع أن يفرض وجود مدرسة أهل البيت عليهم السلام على الأجواء العلمية المتحكّمة آنذاك في بغداد.
قال اليافعي في مرآة الجنان: عالم الشيعة، و إمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، المعروف بالمفيد، و بابن المعلم أيضا، البارع في الكلام و الجدل و الفقه، و كان ينازع كلّ عقيدة بالجلالة و العظمة، و مقدّما في الدولة البويهية، و كان كثير الصدقات عظيم الخشوع و كثير الصلاة و الصوم حسن اللباس [١].
و قد تمكّن المفيد من أن يكهرب الجو بنداوته العلميّة، و يوجه إليه الأنظار و تطلع إليه الأفئدة تروم الارتشاف من ينابيع علمه، و تجتذب نحوه القلوب
[١] مرآة الجنان ٣: ٢٨.