المحمدون من الشعراء واشعارهم

المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٨٤

- بالحاء المهملة والباء ثانية الحروف المضمومة المخففة، والسين المهملة - المغربي، شاعر عبد المؤمن بن علي الكومي البربري، المستولي على بلد المغرب بعد محمد بن تومَرْت. ذكر لي أبو عبد الله القرموني أن ابن حبوس بربريُّ النسب، أندلسي المولد، والمنشأ، كان له خاطر وقاد، وشعر جيد، فحل، وبديهة حاضرة؛ وتقدم عند عبد المؤمن، وصحبه في سفره وحضره، وله ديوان شعر مدوَّن، وقفت عليه وملكته، واستعاره مني علي بن القاسم بن علي بن عساكر بسفارة الصدر محمد بن محمد البكري ولم يَعُدْ، ولم يعلق بخاطري من شعره إلا ما قاله ارتجالاً بين يدي عبد المؤمن بن علي عند فتحه بجاية، وهروب صاحبها من ولد العزيز بن حماد في زورق أعده لنفسه، وذلك إن عبد المؤمن هجم بِبِجَايَة بعد محاصرتها فانهزم صاحبها إلى قصره، وغلّق أبوابه من جهة المدينة، وفتح بابه من جهة البحر، ولاذ أهل المدينة بالقصر ينادونه: يا مولانا أخرج إلينا لنقاتل بين يديك! وأدركهم عبد المؤمن بنفسه في بعض جمعه فانهزموا عن القصر، ونظر إلى جهة البحر فرأى صاحب القصر وقد ركب زورقاً له أعده للهزيمة، وقد انفصل عن القصر منهزماً، وكان قبل ذلك قد فرق الزواريق وأعدمها، لئلا يُتَّبع في شيء منها فنزل ابن حبوس هذا عن دابته، ووقف يين يدي عبد المؤمن، وأنشده قصيدة قافيّة حسنة، ذكر المغالون في وصفه إنه إرتجلها في تلك الساعة، منها في وصف أهل بجاية عندما لاذوا بالقصر، ونادوا صاحبهم إلى الخروج: متقارب:
فلاذوا بقصر لمولاهُم ... ومولاهم لاذ بالزورقِ
وفارقه أحمراً أبيضاً ... ولجَّج في أخضر أزرق
وأورثه خوفكم خفَّة ... فلو خاض في اللج لم يغرق
ومنها في مدح عبد المؤمن:
تخيَّره الله من آدم ... فأقبل منحدراً يرتقي
أراد منحدراً في الأصلاب، مرتقياً إلى المعالي، وهذا في غاية الجودة والرشاقة والصنعة في المطابقة.
وأخبرني القرموني أبو عبد الله قال: سُرق لابن حبوس في سفره خُرْج فيه ثيابه وقصائد له ونفقة، وكان الشعراء يحسدونه، فعملوا في ذلك زجلاً ألفاظه عامّية على عادتهم في الأزجال مطلعه: زجل:
لقد جَرَتْ رَزِيَّا ... على ولَدْ حَبُوسْ
سُرِقْ لَوْ ما سَرقْ ... هُو مِنْ شِعرالأندلوس
سارقْ سَرقْ لسارق ... يعد في ذا عَجَبْ
سُرق لو كلّ ما اقْنى ... وكل ما اكتسب
ثيابو والقصايِدْ ... والسلخ بالذهب
وكلّما ذكَرنا ... يَسْوَى ثَلَثْ فلوس
٢٤٨ - محمد بن الحسن بن منصور، أبو عبد الله الموصلي
المعروف بإبن الأقفاصي، الشاعر النقّاش الضرير، كتب إليَّ محمد بن هبة الله الشيرازي: أنشدنا الحافظ أبو القاسم علي الدمشقي في كتابه، قال: أنشدنا أبو عبد الله بن الأقفاصي لنفسه: كامل:
أحبابنا لا تهجروا ... فتهاجُر الأحباب هُجرُ
وصلوا ففي طيِّ الوصا ... ل للوعتي طيٌّ ونَشر
أبدَيتُم ما كنتُ من ... وجْدٍ بكم أبداً أُسِرُّ
وأعدتم بصدودكم ... بيض المدامع وهي حمر
وحياتكم وكفى بهالمتَيَّمٍ قسماً يُبَرُّ:
ماعاينَتْ عينايَ بَعْ ... دَ فراقكم شيئاً يَسُر
وبالإسناد له أيضاً: كامل:
أمْرُ الصبابة لي، ونهيُ العاذلِ ... شغلاً معاً قلبي بشغلٍ شاغلِ
فالبحرُ من قطر انسكاب مدامعي ... والجمر من شرر التهاب بلابلي
أنا كالكواكب، ذو رقاد هاجر ... حتى التنادِ، وذو سهادٍ واصل
متردِّد الأنفاسِ بينَ تأوُّهٍ ... عَبْلَ الزفير، وبين صبرٍ ناحل
أرقٌ يحدِّثُ عن غرام نازل ... بين الضلوع وعن سلُوٍّ راحل
دبَّتْ على كبدى عقاربُ لوعة ... باشرْتها بتمام وجدٍ قاتل
فتوَرَّدت في الخد بيضُ مدامعي ... لفراق بيضٍ كالبدور عقائل
ورأيتُ لبَّة مهجتي قد ضُمِّخَت ... بدمٍ على أسل الصبابة سائل
٢٤٩ - محمد بن حبيب التنوخي الشاعر