المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٦٤
قلت وقد ذكر يعقوب بن السكِّيت في كتاب " الألفاظ ": " فاضت نفسه " بالضاد، وذكرها ابن جنّي في كتاب " سر الصناعة " له، وبسط القول هناك، وكان الحكم المستنصر، بن عبد الرحمن الناصر الأموي المستولي على الأندلس، ومقيم سوق العلوم بها مدة، استحضر محمد بن الحسن الزبيدي - رحمه الله - إلى دار ملكه، قرطبة، للاستفادة منه، فأقام بقرطبة مدة واشتاق أهله بإشبيلية، فاستأذن الحكم في العود؛ فلم يأذن له اغتباطاً به. فكتب إلى جارية له تُدعى سلمى بإشبيلية: منسرح:
ويحك يا سلْمَ لا تراعي ... لا بُدَّ للبيْن من زماع!
لا تحسبيني صبرت إلا ... كصبر ميْت على النزاع
ما خلق الله من عذاب ... أشد من وقفة الوداع
ما بيننا والحُمام فرقٌ ... لولا المناحات والنواعي
إن يفترق شملنا وشيكاً ... من بعد ما كان ذا اجتماع
فكلُّ شمل إلى افتراق ... وكل شعب إلى انصداع
وكل قرب إلى بعاد ... وكلُّ وصل إلى انقطاع
توفى أبو بكر الزُّبيدي بالأندلس قريباً من سنة ثمانين وثلاثمائة. رحمه الله وله من التصانيف كتاب " مختصر العين " وكتاب " الانتصار " على من آخذ عليه في " مختصر العين "، وكتاب في " أبنية سيبويه " وشرحها والزيادة فيها، وكتاب " لحن العامَّة "، وكتاب " الو اضح " في النحو، وكتاب " أخبار النحاة ".
١٧٦ - محمد بن الحسن أبو عبد الله المذحجيُّ الأندلسي
المعروف بابن الكتاني له مشاركة قوية في علم الأدب والشعر، وله تقدُّم في علم الطب والمنطق؛ وكلام في الحكم، ورسائل في كل ذلك، وكتب معروفة. قال أبو محمد علي بن أحمد الأندلسي: سمعته يقول: " إن من العجب من يبقى في العالم دون تعاون على مصلحة، أما يرى الحرَّاث يحرث له، والبنَّاء يبني له، والخرّاز يخرز له، وسائر الناس كانت تتولّى شغلاً له فيه مصلحة، وبه إليه ضرورة، أما يستحي أن يبقى عيالاً على كل من في العالم؟! ألا يُعين هو أيضاً بشيء من المصلحة؟ وله كتاب سماه كتاب " محمد وسُعْدى " مليح في معناه وعاش بعد سنة أربعمئة بمدة، ومن شعره: طويل:
ألا قد هجرنا الهجرَ واتصل الوصلُ ... وبانت ليالي البيْن، واشتمل الشَّملُ
فسُعدى نديمي، والمُدامة ريقها ... ووجنتها روضي، وقبلتها النُّقل
وله أيضاً: بسيط:
نأيت عنكم بلا صبر ولا جلَدوصحت وا كبدي!! حتى مضت كبدي أَضحى الفِراق رفيقاً لي يواصلنيبالبُعد والشَّجو والأحزان والكمد وبالوجوه التي تبدو فأنشدهاوقد وضعت على قلبي يدي بيدي
إذا رأيت وجوه الطَّير قلت لها: ... لا بارك الله في الغربان والصُّرَد
١٧٧ - محمد بن الحسن الجبلي الأندلسي النحوي
أديب، شاعر، كثير القول، كان يُقرأ عليه الأدب بالأندلس، فمن شعره: طويل:
فما الأنس بالإنس الذين عهدتُهُم ... بأنسٍ ولكنْ فقدُ أُنسهم أُنس
إذا سلمتْ نفسي ودينيَ منهمُ ... فحسبيَ أنَّ العِرض مني لهم لم تُرسُ
١٧٨ - محمد بن حبيب الإفريقي
شاعر فيه لوثة، لم يكن له نفس في التطويل، وإنما كان بالمقطعات من الشعر فيجيدها. وقال في الطَيرة بالخاتم واعطائِه: سريع:
من عادةِ الخاتِم إعطاؤهُ ... للمُرسَل الذاهب والذاهبهْ
فمن هنا خِيفت مُهاداتُه ... لفرقةِ الصاحبِ والصاحبهْ
ومن ملح شعره: بسيط:
يا من أمات لذيذ العتبِ مُذْ زمنٍ ... إليك منك على حالاتِك الهربُ
لئن جرى سببٌ أحيا بموقعهِ ... هذا العتابَ لقد أحيانيَ السببُ
وقوله يعاتب: وافر:
أمِن حقِ المودَّةِ والتصافي ... ومفروض الصداقة والتجاقي؟
أمِنْ وجه إنصرافك انَّ روحي ... على الجسدِ العليل على انصرافِ؟
١٧٩ - محمد بن حسان بن خالد أبو جعفر السَّمْتي