المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ١١٥
وليسَ فينا واحدٌ عاملٌ ... لغير ما يصلحُ، دنياهُ
كم آمِن في سِرْبهِ غافل ... في أعظمِ العزِّ وأوفاهُ
أموالُهُ لا تنحصي كثرَةً ... والخلقُ ترجوه وتخشاهُ
ومن عظيم الذكر في نعمةٍ ... يُرْجى ويُخشى، وله جاه
قد باتَ في خفضٍ وفي غِبطةٍ ... في أطيبِ العيش وأهناهُ
أصبحَ قد فارق ذا كُلَّهُ ... قهراً، وصار القبرُ مثواهُ
فزالتِ النِّعمةُ في لحظةٍ ... واسترجع الدهرُ عطاياهُ
سِيق إلى دار البِلي مُكرَهاً ... لم يُغْنِ عنه المالُ والجاهُ
وكلُّ من كان ودُوداً له ... تحت تُرابِ الأرضِ واراهُ
حتى إذا ما غاب عن عينِهٍ ... عادَ إلى الدُّنيا وخلاَّهُ
مُقاطعاً مُطَّرَحاً مُهمَلاً ... من غير ذنبٍ يَتجافاهُ
كأنه لم يَرَهُ ساعَةً ... ولم يَكنْ في الدّهرِ لاقاهُ
لِي أَجلٌ قدَّرهُ خالِقي ... نَعَمْ، ورِزْقٌ أتوقَّاهُ
حتى إذا آستوفيتُ منه الذي ... قُدِّرَ لي لا أتعَدَّاهُ
قال كِرامٌ كُنتُ ألقاهُمُ ... في مجلسٍ قد كنتُ أغشاهُ:
صارَ ابنُ نَبهانَ إلى ربِّه ... يرحمُنا الله وإيَّاهُ!!
توفي الرئيس أبو علي محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان رحمه الله ليلة الأحد، ودفن يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمئة. ٣٢٠ - محمد بن سليمان بن قتلمش بن تُركانشاه السمرقندي الأصل، البغدادي المولد والدار، أبو منصور
من أولاد الأمراء؛ له معرفة حسنة بالأدب، وشيء من العلوم الرياضية. وشعره جيّد، وتولى حجابة الحُجّاب بالديوان العزيز - مجَّده الله - في ذي الحجة سنة خمس عشرة وستمئة. كتب إليّ محمد بن يحيى الدُّبيثي: أنشدني أبو منصور محمد بن سليمان الأمير لنفسه، وكتب لي بخطه: بسيط:
لي في هواكَ وإنْ عذَّبتني أرَبٌ ... ينفي السُّلوَّ قُطِّعتُ آرابَا
لا أطلبُ الروحَ من كربِ الغرام ولوصابت عليَّ سماءُ الحبِّ أوصابَا ولست أبغي ثوابَ الصبر عنك، ولوْألبَستَني من سَقام الجسمِ أثوابا
وشقوتي بك لا أرضى النعيمَ بها ... وساعةٌ منك تسوى النار أحقابا
وأنشدني أيضاً لنفسه: كامل:
ومهفهفٍ غَضِّ الشبابِ أنيقِهِ ... كالبدرِ غصّني القوام وريقِهِ
نازعتُه مشمولةً فأدارَها ... من مُقلتيهِ ووجنتيهِ ورِيقِهِ
قلت: ورأيت له مصنّفاً في الأدب، سمّاه " التبر المسبوك "، من حسان المجاميع، وانتقل إليَّ - والله المحمود - وهو في ملكي، وفيه فوائد جميلة من فن الأدب؛ صنفه لابن صديقه أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين المسمّى بالشريف أبي منصور، وسيره إليه إلى حلب مع ولد له متخلف، وكافاه أبو منصور المذكور عن التصنيف بما وصلت همّته إليه على صغرها ونزارتها، وأخذ الولد ذلك القدر، واجتاز في طريقه إلى بغداد بدُنَيْسَر، فوجد فيها المومسات متيسرات، فأنفق عليهن ذلك القدر، على نزارته، ثم مات فيما بلغني. وقد كان أبوه محمد في ذلك الوقت في عسر من أمره، وذلك قبل أن يتولى حجابة الديوان في الأيام الناصرية؛ ثم لطف الله به وتولى، وقد كان له ولد مات شاباً وقد قارب العشرين. وكان الله قد فتح عليه علم الهندسة، فبلغ فيه مبلغاً قصر عنه المشايخ، واستخرج غوامض من المسائل، مرّت الدهور عليها وهي معلّقة؛ وسمعت أنه استخرج ضلع المسبّع في الدائرة، وأقام عليه البرهان، وهو مما عجز عنه بُطلَيْموس ومن قبله ومن بعده. ولقد بلغني أن أحد القائمين بهذا النوع قال في ضلع المسبّع: وقد أعيانا استخراجه بالبرهان، ولعلّ الله أخّر علمَ ذلك إلى أن يأتي من يختص به في أثناء الزمان المستقبل، فكان - والله أعلم - ولد محمد بن قتلمش.
قال القيلوي: كتب ابن قتلمش على يدي إلى نظام الدين، وزير حلب: خفيف:
ذُو عِيالٍ ومقترٍ وعَلى النسْ ... خِ، فوا طول حيلتي لي