المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٧٧
قلت: تولى أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله لروذْرَاوَري الوزارة للمقتدي، وخلع عليه خلع الوزارة ولقبه ظهير الدين مؤيد الدولة سيد الوزراء، صفي أمير المؤمنين، وكانت الخلعة قميص قصب ملمَّع مذهَّب، وفرجيَّة سقلاطون ملمع مذهب، وفرَجيَّة ممزج منسوجة بالذهب، وعمامة منيه مذهبة، وذلك في يوم الخميس خامس عشر شعبان سنة ست وسبعين وأربعمئة، وبرز في حقه توقيع شريف من إنشاء أبي سعد بن موصلايا، ومدحه الشعراء، فأمرَ ونهى، وأحكم وأمضى، ولم يزل على ذلك إلى أن عزل في يوم الخميس تاسع عشر شهر ربيع الأول من سنة أربع وثمانين وأربعمئة، وخرج إليه توقيع من الخليفة: " اققتضى الرأي الشريف بأن تنفصل عن الخدمة بالديوان العزيز، فالزم دارك، والعناية تشملك على حالتي القرب والبعد، والله المعزّ ". وكان الحامل للتوقيع أبو سعد بن الحُصين، حاجب المخزن ونجم الدولة ضفر الخادم؛ فلما قرأ التوقيع بعزله، انصرف وهو ينشد في حالة انصرافه: وافر:
تولاّها وليس له عدوٌّ ... وفارَقها وليس له صديق
وكانت أيامه أنضر الأيام وأوفاها سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية، وأعمّها أمناً وأشملها رخصاً، وأكملها صحة، وقامت للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام ما أعادت سالف الأيام؛ ولمّا كان يوم ثاني عزله، خرج من داره إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة متلفعاً برداء من قطن، فانثالت عليه الرعية تصافحه وتصفه، وتتندم على صرفه، وإبعاده عن النظر في مصالحه، ومشى حوله جماعة من أهل الزهد والخير، فبلغ ذلك الخليفة، وقيل له: إنما فعل ذلك شناعة على الدولة! فتقدم إليه بلزوم داره وألا يخرج عنها، وأنكر من مشى معه، فلزم داره وبنى بدهليزاً محراباً، وكان يؤذن بنفسه ويصلي هناك، وبعد مدة خرج إلى روذرَاوَر، بلده وموطنه قديماً، ثم استأذن في الحج، فحجّ وجاور عند قبر النبي - (- إلى أن توفي بالمدينة - يثرب - في جوار رسول الله - (- في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وكان مولده في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقلعة كِنْكِوَر وكان يملك حين ولي الوزارة ستمائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات والصدقات، ووقف الوقوف، وبني المساجد، وكان يبيع الخطوط المنسوبة ويتصدق بثمنها ويقول: أحبّ الأشياء إليّ الدينار والخطّ الحسن، فأنا أخرج محبوبي إلى الله عزّ وجلْ.
٢٢٦ - محمد بن الحسين بن علي الجفني، أبو الفرج
يعرف بإبن الدبّاغ من أهل الكرخ، أديب، فاضل، له معرفة باللغة والعربية، وله ترسُّل حسن، وشعر جيّدْ قرأ على الشريف أبي السعادات هِبة الله علي ابن الشجريّ وغيره، وأقرأ الناس مدة، ومن شعره: طويل:
خيالٌ سرَى فازداد مني لدى الدُّجى ... خيالاً بعيداً عهدُهُ بالمَراقدِ
عجبتُ له أَنَّى رآني وإنني ... من السُّقمِ خافٍ عن عيون العوائدِ
ولولا أنيني ما اهتدى لمضاجعي ... ولم يدْرِ ملقى رحلِنا بالفدائدِ
توفي أبو الفرج الجفني يوم الجمعة تاسع عشرين رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
٢٢٧ - محمد بن الحسين أبو الفضل، ابن العميد
عين المشرق ولسان الجبل وعماد ملك آل بُويْه، واحد العصر في الكتابة، وجميع أدوات الرئاسة وآلات الوزارة والضرب في الآداب بالسهام الفائزة، والأخذ من العلوم بالأطراف القوية، يُدعى الجاحظ الأخير، والأستاذ الرئيس، يضرب به المثل في البلاغة، وحسن الترسُّل، وجزالة الألفاظ وسلاستها. وما أحسن ما قال له ابن عبّاد عند منصرفه من بغداد: " بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد "، وكان يقال: " بُدِئت الكتابةُ بعبد الحميد، وخُتِمت بابن العميد ".
وكان أبوه أبو عبد الله الحسين بن محمد يلقب بكُلَهْ من أهل قُمٍّ، وكان يكتب لما كان بن كاكي، فلما قتل ما كان في المعركة النُّوحيَّة حمل خواصه في الأصفاد إلى بخارا، وفي جملتهم أبو عبد الله الحسين فشفع فيه فضله ونبله وبلاغته، فأُطلق وأُكرم ورُتِّب في الدار السلطانية متقلداً ديوان الرسائل للملك نوح بن نصر، ولقب بالشيخ العميد كالعادة في من يلي ذلك فحسده أبو جعفر محمد بن العباس بن العباس بن الحسن الوزير فقال فيه: الطويل:
تظلم ديوان الرسائل من كلَهَ ... إلى الملك القرم الهمام وحُقَّ له