المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٤٧
في اعتلاءٍ وطول عمر مديد ... تعثرُ الحادثاتُ دون مَدَاه
وقال في مقلمة كمحب (؟) سوداء وفيها أقلام وسكين: كامل:
وافتكَ حالكة السواد يخالها ... صبْغَ الشبابِ الناظرُ المتوسمُ
فيها رماحُ الخطِّ مرهفة الشبا ... تردى الطعين ولا يضرّجُها دم
من كل أهيَف إنْ جرى في طرْسه ... ناجى، فأفهم وهو لا يتكلم
بيضُ الأيادي في سواد لُعَابهِ ... فكأنما الأرزاقُ منه تقسّم
أبداً تُؤدِّبُها بقطع رؤوسِهَا ... إنْ قصَّرَتْ في السعي عما ترسم
فانعمْ بحسن قبولها متطوّلاً ... فالشكر لا يحويه إلا مُنْعمِ
١٢٧ - محمد بن إسماعيل بن إسحاق أبو الحسين الكاتب القيرواني
من بيت شعر وكتابة، شاعر منوَّه، فمن شعره في صفة فرس له: سريع:
لي فرسٌ قد حسُنت حالُه ... واستكمل الإعجاب إكمالُهُ
إذا تولى راعَ إدبارُهُ ... وإن تبدَّى راق إقبالُه
تقابلت في العِتق أعمامُه ... إن وُصف العِتقُ وأَخواله
أشقرُ كالتبر جلا لونه ... عن محضه بالسَّبك صقّالُه
كساه باري الخلق ديباجةً ... قَصَّر فيها عنه أمثاله
كأنما البدرُ إذا ما بدا ... غُرَّته، والشمس سِربالهُ
كأن في حُلقومه جُلجُلاً ... حرّكه للسّمعِ تصهاله
جانبه باءٌ ومن خلفِه ... جيمٌ ومن قدَّامِه دالُهُ
يعجب نفسي فإذا فكّرتْ ... في دَينها أعجبها مالُهُ
ومن حُلو قوله، قوله: بسيط:
تملَّك الحمدَ حتى ما لمفتخرٍ ... في الحمد حاءٌ ولا ميمٌ ولا دالُ
وشعره البديع في مصره مدوَّن كثير مشهور.
١٢٨ - محمد بن أحمد بن منصور أبو الوزير المؤدب
مؤدب، فيه أدب، وله شعر، وكان مؤدب الملك العزيز من بني بويه، وله إليه مكاتبات بالغة، وإجابة من الملك العزيز له، فمن ذلك ما كتبه إلى الملك العزيز: طويل:
أبى الدهرُ إلا جوره وهو حاكِمٌ ... فكيف بإنصافي ودهريَ ظالمُ؟
فهل حاكمٌ يعدى كل الدهر حكمُه ... ويأتي زمانٌ تُستردُّ المظالم؟
قضى ببعادي عن ذُرى العزِّ والعُلى ... بلا سبب لكنَّ حظي نائم
فإن كنت ممنوعاً نصيبي من العلى ... بمشهدِ مولانا فإني لخادم
مقامي على بُعد المزار مواظِباً ... على نشر ما أوليت، والله عالم
أُسيّر ما عندي من الدُّرَرِ التي ... لها السيّد المنصور ذو المجد ناظم
بقيت على الأيام يا خير من مشىعلى الأرض، ما دامت وناح الحائم أتذكر ما أنشدتَني متمثلاًولي شرفٌ فيها تمثلتَ دائم
" يديرونني عن سالم وأديرُهم ... وجِلْدةُ بين العين والأنف سالم "
فَلِمْ قد طوى ذكري وغودِرت مُهملاً ... وإني بعهدٍ منك ما دمتَ لازمُ؟
ولي حرمة من دونها كل حرمة ... وكنت وعيشي في معاليك ناعم
فلا تنسني واكتبْ إليَّ مشرِّفاً ... لقدري بكفِّ غيثها الدهر ساجم
سلِمتَ على الأيام ما ذَرَّ شارقٌ ... وما طلعتْ في أُفقِهنَّ النعائم
ثم كتب بعد ذلك: طويل:
فليتَك تحلو والحياة مريرةٌ ... وليتَك ترضى والأنامُ غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خرابُ
هذا قول مخلص موحّد لا يشرك مع معبوده أحداً. فكتب إليه الملك في جواب ذلك، على ظهر الرقعة بخطه: كامل:
قلبي بذكرك مذ نأيتَ يهيمُ ... والوجدُ يُقعِد تارة ويقيمُ
ولديَّ شوقٌ مذ بعُدتَ مبرِّحٌ ... وهواجس حول الفؤاد تَحُومُ
لا تحسبنْ أنَّ العهود تُنوسيتْ ... فالعهدُ منك على الزمان مقيمُ
ولطال ما أنشدت حين يعِنُّ لي ... عند استماعي ذكرك التسليمُ
" إقرأ على الوَشل السلام وقل له: ... كلّ المشارب مذ نأيتَ ذميم "