المحمدون من الشعراء واشعارهم

المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٧٦

من أهل روذراور، من ناحية همذان. كان وزير المقتدي وجرت أموره في وزارته على سداد وكان يرجع إلى فضل كامل، وعقل وافر، ورأي صائب، وكان له شعر رقيق مطبوع، أدركاته حرفة الأدب، وصُرف عن الوزارة، وكُلِّف لزوم البيت، فانتقل من بغداد إلى جوار النبي - (- وأقام بالمدينة إلى حين وفاته، ودفن عند قبر إبراهيم ابن النبي - (- بالبقيع، ولما أحسَّ بالوفاة، حمل إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف عند الحضرة، وبكى، وقال: يا رسول الله قال الله سبحانه وتعالى: (ولو أنَّهُم إذ ظلموا أنفسُهَم جَاءوكَ فاسْتَغْفَروا الله واستَغْفَرَ لَهُم الرَّسولُ لوَجَدوا الله تواباً رحيماً) ولقد جئتك معترفاً بذنوبي، وجرائمي، أرجو شفاعتك! وبكى، ورجع، وتوفى من يومه. أنبأني أبو الضياء شهاب بن محمود الشذباني الهروي - رحمه الله - أخبرنا عبد الكريم بن محمد بن منصور المرزوي من كتابه بالجامع القديم بهراة قال: سمعت أبا علي أحمد بن علي ابن سعيد العِجْليّ في منزله مذاكرة بهمذان يقول: قلت للوزير أبي شجاع - رحمه الله - أريد أن أقرأ عليك ديوان شعرك. فقال: لا، ولكن أنشدك أبياتاً من شعري، فأنشدني لنفسه: بسيط:
ليس المقادير طوعاً لامرىءٍ أبداً ... وإنَّما المرء طوعٌ للمقادير
فلا تكن إن أتت باليُسْرِ ذا أشر ... ولا يؤوساً إذا جاءت بتسعير
وكن قنوعاً بما يأتي الزمان به ... فيما ينوبك من صفو وتكدير
فما اجتهاد الفتى يوماً بنافعِهِ ... وإنَّما هو إبلاء المعاذير
كتب إليّ شهاب بن محمود الهروي، أنبأ عبد الكريم المروزي، أنشدنا المُبارك بن مسعود بن عبد الملك الغسّال إملاء من حفظه بلوزة، إحدى منازل البادية في القفول من الحجة الثانية، للوزير أبي شجاع: سريع
ما كان بالإحسان أَولاكُم ... لو زرتُم من كان يهواكُم
أحباب قلبي! ما لكم والجفا؟ ... ومَنْ بهذا الهجر أَغراكُمْ!؟
ما ضرَّكُم لو عدتم مُدنفاً ... مُمرِّضاً، من بعض قتلاكم
أنكرتمونا مذ عهدناكم ... وخنتمونا مذ حفظناكم
لا نظرت عيني سوى شخصِكم ... ولا أطاع القلب إلاَّكم
جرتم وخنتم وتحاملتم ... على المُعنىَّ في قضاياكم
ما كان أغناني عن المُشتكى ... إلى نجوم الليل لولاكم!
سلوا حُداة العيس هل أوردت ... ماءً سوى دمعي مطاياكم؟
أو فاسألوا طيفكم: هل رأى ... طرفي غفا من بَعْد مسراكم؟
أحاول النَّوم عسى أنَّني ... في مستلَذِّ النَّوم ألقاكم
يا ظَبَيات الإنس! في ناظري ... ورُودُكم، والقلب مرعاكم
جوروا وخونوا وانصفوا واعذلوا ... في كلِّ حال لا عدمناكم
يا قوم ما أَخونكم في الهوى ... وما على الهجران أجراكم!
ما آن أن تقضواغريماً لكم ... يخشاكم أن يتقاضاكم
يستنشق الرِّيح إذا ما جرت ... من نحو نجدٍ شوق رؤياكم
أنبأ أبو الضياء شهاب الهرويّ أنبأنا عبد الكريم المررزيّ، أنشدنا أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب إملاءً للوزير أبي شجاع - رحمه الله - قال: وقرأت بخطّه هذين البيتين: طويل:
فشتَّان من يمسي ويُصبح دائباً ... بمجلس لهو بين عزف قيان
ومن يشتكي سُقماً وهجراً ووحدة ... لك الخير قلْ لي كيف يجتمعان؟!