المحمدون من الشعراء واشعارهم

المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٩٩

وأنبأنا محمد بن محمد بن حامد الكاتب في كتابه قال: القائد أبو عبد الله محمد بن خليفة السنبسي، سمعت أنه كان من شعراء سيف الدولة صَدَقة بن منصور بن دُبيس، وكان يُحسن إليه؛ فلما قتل صدقة، مدح دُبيساً ولده، فلم يحسن إليه، فوافى بغداد في الأيام المسترشدية ومدح الوزير جلال الدين أبا علي بن صدقة؛ فأحسن إليه وأجزل له العطاء، ومات ببغداد، وكان مسبوك النقد، جيد الشعر، تتفق له أبيات نادرة ما يوجد مثلها، فمنها من قصيدة بيتان وهما: طويل:
فرُحناوقد روَّى السلامُ قلوبَنا ... ولم يجرِ منا في خروقِ المسامعِ
ولم يعلم الواشونَ ما كان بيننا ... من السِّرِّ لولا ضجرةٌ في المدامعِ
وهذان البيتان البديعان من كلمة له في سيف الدولة صدقة بن منصور المزيدي الأسدي أولها:
لمن طللٌ بين النقا والأجارع؟ ... مُحيل كسحقِ اليمنةِ المتتايعِ
ومنها:
وعهدي به والحيُّ لم يتحمَّلوا ... أوانس غد كالنجومِ الطوالعِ
وقبل البيتين الأولين منها:
ومن ينسَ لا أنسى عشيةَ بينِنا ... ونحنُ عِجالٌ بين غادٍ وراجع
وقد سلَّمَت بالطرفِ منها فلم يكن ... من النطق إلا رجعُنا بالأصابع
ونقلت من خط ابن المارستانية ما مثاله: محمد بن خليفة السنبسي المكنّى بأبي عبد الله، شاعر سيف الدولة صدقة. كان شاعراً مجوداً، مغزلاً، مغرداً، مليح الكلام، حسن النظام، لألفاظه حلاوة، وعليها من جودة النسج طلاوة، وصّاف للدّيار الدّوارس، مولع بذكر الإبل والقفار البسابس، خبير بأخبار العرب وأشعارها، بصير بأيامها ووقائعها وآثارها، أشهر أهل هذه الصنعة بها، وأفخم شعراء سيف الدولة ذكراً فيها، لولا ما شوَّه خسف التهمة لقمر وجه أدبه التمام، ووضع من محل فضله السامي، بأنه اغتصب شعر شاعر شرف الدولة المعروف بالبُرَغِّيث الشامي، وفي ذلك يقول أبو الفضل أحمد بن محمد بن الخازن قال أنشدنيه عنه ولده أبو الفتح نصر الله أحمد بن الخازن قال: أنشدني والدي في السنبسي الشاعر لنفسه: بسيط:
ومُشتكٍ من براغيث دَلفن له ... بعسكرٍ في ضواحي الجلدِ مبثوثِ
لم يقتدوا بالبُرَغِّيثِ ابن عمهُم ... وهو أحقُّ وأولى بالمواريثِ
أُرْدُدْ على القوم ديوانَ ابن عمهُم ... وأعفِ جلدكَ من قرصِ البراغيثِ
على أني قد أثبت من شعره الذي تحقق نسبه إليه حديثاً وقديماً ما يخجل الروض جميعاً والزهر تخاله فيه نجوماً، والدُّرَّ الفريد نظيماً، فمن ذلك قوله: كامل:
عُجْ بالمطيِّ على المحلِّ الدارسِ ... ما بين رامة إذ مررت وراكس
واقر السلام على البريك وقل لها: ... يا ضرّةَ القمر الفريدِ الآنسِ
أمطلتني وِتراً وهذا رابعٌ ... وزعمتِ أن لقاءنا في الخامسِ
فتصدَّقي بالوصلِ يا ابنة مالك ... قبل المماتِ على الضعيفِ البائسِ
وله أيضاً: بسيط مجزوء:
تُشرقُ من وجهه كتائبهُ ... والدمَ فوق الدموعِ أَطمارُ
والضربُ جيبٌ على النحور له ... عُرى وطعنُ الكُمأةِ أَزرارُ
وله أيضاً: بسيط:
يفديك كلُّ قليلٍ في تكبُّرهِ ... فكلما زادَ كِبراً زادَهُ صغرا
ينالُ بالذمّ لا بالمدحِ نائلهُ ... كالزند يُعطي إذا استكرهته شررا
وله أيضاً: كامل:
وكأنما الباذنجُ سودُ حمائمٍ ... أوكارها خيمُ الربيع المُبكرِ
لقطت مناقرُها الزبرجدَ سِمْسماً ... فاستودعته حواصلاً من عنبرِ
وله أيضاً: طويل:
فيا عجباً ممن يُضيع حياته ... على حفظ مالٍ وهو للغير يُدْخرُ
ومن تُتوفَّى نفسه كلَّ ليلةٍ ... وترجعُ فيه، كيف للبعثِ ينكرُ؟
بلى قادرٌ أنشاهُ أولَ مرةٍ ... على ردِّ روحٍ منه في الجسمِ أقدرُ
وله أيضاً: طويل:
أيا ربِّ إن كنتُ الجدير بجفوةٍ ... فأنتَ بإحسانٍ إليَّ جديرُ
وإن تكُ عن شكري غنيّاً وطاعتي ... فإني إلى الغفرانِ منك فقيرُ
وله أيضاً: كامل: