المحمدون من الشعراء واشعارهم

المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٢٦

من كبار شيوخهم، كان يتكلم في جامع الرُّصافة، ثم انتقل إلى جامع المدينة، وكان عالماً بالقراءات وبقراءة أبي عمرو، خصوصاً، جالس أحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وأبا نصر التمّار، وسَرِيّا السَّقطي، وسافر مع أبي تراب النخشبي، حكى عنه محمد ابن علي الكناني، وخير النساج وغيرهما، قال أبو نعيم: أبو حمزة بغدادي، واسمه محمد بن إبراهيم، وكان مولى عيسى بن أبان القاضي، وكان شديد التوكل على الله، يسافر على التوكل ويغزو على التوكل، فمن عجيب ما جرى له في السعي على التوكل ما أنبأنا به زيد بن الحسن الكندي قال: أنبأنا أبو منصور القزاز قال: حدّثنا ابن ثابت قال: أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم قال: حدثني أبو بدر الخياط الصوفي قال: سمعت أبا حمزة يقول: سافرت سفرة على التوكل، فبينما أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني، إذ وقعت في بئر، فرأيتني قد حصلت فيها، فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها، فجلست فيها، فبينما أنا جالس إذ وقف على رأسها رجلان فقال أحدهما لصاحبه: نجوز ونترك هذه في طريق السابلة والمارة؟! فقال الآخر: وما نصنع؟ قال: نطُمُّها. قال: فبدرتْ نفسي أن تقول: أنا فيها، فنوديت: تتوكل علينا، وتشكو بلاءنا إلى سوانا؟ فسكتُّ ومضيا ثم رجعا ومعهما شيء جعلاه على رأسها غطوها به؛ فقالت لي نفسي: أمنت طَمَّها ولكن حصلت مسجوناً فيها، فمكثت يومي وليلتي. فلما كان الغد ناداني شيء يهتف بي ولا أراه، تمسك بي شديداً، فمددت يدي فوقعت على شيء خشن، فتمسّكت به، فعلاها وطرحني، فتأملت فوق الأرض فإذا هو سبعٌ؛ فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله، فهتف بي هاتف: يا أبا حمزة! استنقذناك من البلاء بالبلاء، وكفيناك ما تخاف بما تخاف. وبالاسناد حدثنا أحمد بن علي الخطيب، أنبأنا أبو القاسم رضوان بن محمد بن الحسن الدِّنيوري قال: سمعت أحمد في محمد بن عبد الله النيسابوري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عبد الوهاب الحمافظ يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نعيم يحكي عن أبي حمزة الصوفي أنه لما أُخرج من البئر أنشأ يقول: طويل.
نهاني حيائي منك أن أكشف الهوىوأغنيتِني بالقرب منك عن الكشف تراءيتَ لي بالغيب حتّى كأنَّماتُبشرني بالغيب أنَّك في الكهفِ
أراك وبي من هيبتي لك وحشة ... فتؤنسني بالعطف منك وباللطفِ
وتُحيِي مُحِباً أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتْفِ
أنبأنا زيد، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا ابن ثابت، أخبرني أبو علي عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فضالة النيسابوريّ بالريّ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن الحسن الأزديّ الخطيب بسمنَان يقول، قال جعفر بن محمد الخلدي: خرج طائفة مشايخ الصوفيّة يستقبلون أبا حمزة الصوفي في قدومه من مكة، فإذا به قد شحب لونه، فقال الجريري: يا سيدي هل تتغير الأسرار إذا تغيرت الصفات؟ قال: معاذ الله لو تغيرت الأسرار بتغير الصفات لهلك العالم، ولكنه ساكن الأسرار فجملها وأعرض عن الصفات فلاشاها، ثم تركنا وولَّى وهو يقول: رجز مجزوء:
كما ترى صيَّرني ... قطعُ قةإرالدَّمّنِ
شرَّدني عن وطني ... كأانني لم أَكُن
إذا تغيَّبتُ بدا ... وإن بدا غيَّببَني
يقول: لا تشهد ما ... تشهد أو تشهدني
وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي قال: سمعت أبا حمزة الصوفي ينشد: كامل
خففْ على أصحابك المؤَنا ... أو لا فلست لهم إذا سكنا
لا تغتررْ بدُنوِّ ذي لطَفٍ ... يدنو إِليك وإِنْ دنوْت دَنا
واعلمْ جزاكَ الله صالحة ... أنَّ ابنَ آدم لم يَزَل أُذُنا
متصرِّفاً شرسَ الطباع له ... عَينٌ تُريه قبْحَهُ حَسَنا
توفي - رحمه الله - في أصح الروايات في سنة تسع وستين ومئتين ودفن بباب الكوفة.
٦١ - محمد بن إبراهيم أبو عبد الله الباجِريُّ
وكان وزيراً بخُوَارزم، وله أدب وشعر وهو القائل في أبي سعيد الشبيبي: خفيف
حُكم عَيْنيك نافذٌ فيَّ ماضٍ ... كيفما شئت فاقض ما أنت قاضٍ
وكأنَّ الصّباحَ لما تبدَّى ... ليَ سيفٌ لهُ الشَّبيبي ناضي