المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ٢٠
ولا بَلِيَتْ بمُرسيةٍ برودٌ ... مطرَّزة بأشتات الحليِّ
ذكرتُ معاهداً أقوَتْ وكانت ... أواهِلَ بالقريب وبالقَصيِّ
أقول وإن غدَوْتُ حليفَ شجوٍ ... أُعلِّلُ لوعةَ القلب الشجيِّ
لأصرفُ غيَّةً طرْفي وكفِّي ... عن اللحظ العليل النَرجسيِّ
وأحرزُ منطقي عن كلّ هُجْرٍ ... وأهجرُ كلّ مِلسانٍ بَذيِّ
ولما أن رأيت الدهرَ يُدني ... دَنِيّاً ثم يسطو بالسنيِّ
وجدت به على الأيام غيظاً ... كما وجد اليتيم على الوصيِّ
طلبت فما سقطت على خبير ... يخبِّرُ عن وداد أو صفيِّ
كما أني بحثت على كريم ... فما أَلفيتُ ذا خلق رضيِّ
ولولا واحد لسددت عيني ... فلم تُفتح على شخص سريِّ
هو الملك المعظم من ملوك ... ينير بهم سَنا الأفق السنيِّ
له هِمَمٌ تعالى كل حين ... يفوق بها ذرى النجم العليِّ
وحسن خلائق رقَّتْ فجاءت ... كما هبَّ النسيم مع العشيِّ
مَصونُ العِرْض مبذول العطايا ... نديُّ التُّرْب مبرور النديِّ
جوَادٌ جودُه إن سيلَ سَيْل ... ويأتي عرفُهُ مثل الأتيِّ
يمدُّ إلى العفاة يمينَ يُمْنٍ ... تليِّنُ قسوةَ الدهر الأبيِّ
تحلّى ملكه بحلى بهاهُ ... كما ازدانَ المقلَّدُ بالحليِّ
تدار عليه أكوَابُ المعالي ... فيأخذ من هِزَبْر أرْيَحيِّ
وهي طويلة.
ومن شعره أيضاً: بسيط
بيني وبين النوى ذَحْل فإنْ صدعت ... شملي فعندي تفويض وتسليم
وإنْ تكن نثرتْ سلكي نوى قذفٌ ... فإنَّ سلْكَ رجائي فيك منظومُ
٥١ - محمد بن أحمد أبو سَعد
شاعر كان بالمعرَّة، يدل شعره على وفور أدبه، فمن شعره ما قاله يرثي القاضي أبا مسلم وادع بن عبد الله بن سليمان المعرّي: طويل
أَجدُّكَ ما يصحو لها غمرةٌ سُكْرُ ... تمادت فلا يخلو بها من جوىً صَدْرُ
ولا تسترقُّ القلبَ في الدهر سلوةٌ ... فإنْ طال فينا بعد معقوده الدهرُ
ولا يشتفي بالدمع باك ولو جرى ... إلى قلبه من فيض أجفانه نهرُ
ولا تخمد النارُ المثيرة في الحشاولو مطرت تحت الضلوع لها جمرُ وكيف وقد أصمى أبا مسلم الردىوجنَّبنا حُلوَ الحياة القضا المرُّ
وأغدر فينا بعد إشراق نورهزمان لحاه الله شيمته الغدرُ
فليت الليالي قاسمتنا صروفها ... وكان لها شطر، وكان لنا شطر
أَعاذلتي لو أنصف الموت لم يعشْ ... لموتِ ابن عبد الله عبدٌ ولا حرُّ
وما الشعرُ كفْءُ الرُّزءِ فينا ولو غدالهذا المصاب اليوم يستنفد الشعرُ ولكن جرى رسم بذلك أوَّلٌيعزَّى به مجدٌ ويبقى له ذكرُ
ولما قضى " مجدُ القضاة " تبينت ... جهالة غاوٍ أنَّ قد أزف الحشرُ
بنفسي كريم كان يلفى عُفاتَه ... إذا قابلوه منه قبل النَّدى البشرُ
بنفسي كريم كتبه بعد طيِّه ... يُبيّن علمَ المشكلات لما نشرُ
مضى عن حميد الفعل فينا جزاؤه ... من الله والناس المثوبة والشكرُ
يخفِّف عنه كل ثقل صنيعه ... ويثقل عطفيه المحامد والأجرُ
فتى كان يحذوه على حسن عفوه ... عن المجرم، الأصل الذي طاب والنجرُ
فتى مازجت في جسمه نفسه العلى ... كما امتزجت بالماء في كأسها الخمرُ
إذا ما خطا في المجدِ باعاً تقاصرت ... خُطى غيره أن يستقل بها فترُ
شهاب جلت أنواره كل بُهمة ... إمام هدى للمهتدين به، حَبْرُ
ليبكيه في العلياء رتبةُ مجدِهِ ... ويندبُه في الجود نائله الغِمْرُ
وما كان دحرى بالمعرة بلدة ... ولو فاخرتها فيه بغدادُ أو مصرُ