المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ١٤
كان من أفرادهم أدباً وفضلاً، ومفلقيهم نظماً ونثراً، ولفظته زوزن إلى أقطار الأرض وآفاق البلاد، وحرفة الأدب زميله ونزيله، وحليفه وأليفه، وانتجع الصاحب وغيره ثم طالت مدته في الغربة، ثم عاد إلى الوطن على غير قضاء الوطر، ولم يلبث أن انتقل من ضيق العيش إالى ضيق القبر وكان له نظم ونثر لم يغنياه من الفقر، فمن شعره: طويل
تبدّلتُ من بَعد الحبيب المُفارق ... سَواد الليالي وابيضاضَ مفارقي
سقى البارقُ الغوريُّ عذباً من الحيا ... محلّتنا بين العُذَيب وبارق
وأغنى مغانيها وأرضَى رياضها ... وشقَّ بلطم القطر خدَّ الشقائق
محلّةُ إيناسٍ، ومغنى أوانسٍ ... ومركزُ راياتٍ ومرعى أيانق
فيا يومها كم من مُنافٍ منافقٍ ... ويا ليلها كم من موافٍ موافق
وله من قصيدة في الصاحب: خفيف
أطلع الله للمعالي سعودا ... وأعاد الزمان غضاً جديدا
بعث الدهر جنده وبعثنا ... نحوه دعوة الإله جنودا
ومنها:
يا عميد الزمان إن الليالي ... كِدْنَ يتركن كلَّ قلب عميدا
حادثات أردنَ، إحداثَ هَدْم ... لِعُلاهُ فأحدثت تشييدا
وقوله من أخرى: طويل
وزرت به كافي الكفاة وعنده ... أرى الفضل فذّاً والتفضُّلَ توأَما
ينال لديه معتفي الفضل أجرما ... سقى، وينالُ العفوَ من كان أَجرما
٢٩ - محمد بن أحمد الشَّيْرَجيّ
أديب، فقيه، شاعر بليغ، يقول: خفيف
يا خليليَّ عرِّجا بي إلى القَفْ ... ص وحُطّا الرحال بالبردانِ
واتركاني من التفقه في الدِّي ... نِ فحسبي تعلمي ما كفاني
واسقياني على وجوه الغواني ... واصطاقِ النايات والعيدانِ
وهو القائل: مجزوء الكامل
إِلْقَ الدساكر والمعا ... صرَ والسواحرَ والزوامرْ
ودَعِ الدفاتر والمحا ... بر والقماطر والمساطر
وكتب إلى صديق له يستزيره: مجزوء الرجز
اليومَ يومُ انحجار ... ويومُ إيقاد نار
ويومُ عزفٍ وقصف ... ويوم شرْب عقار
وكل هذا لدينا ... فاحضرْ مع الحضّار
وقيل عنه إنه كان كثيراً ما يقول: " أنعم الله صباحك، وأدام لرأسك الخضرة، ولوجهك الحمرة، ولوجه حاسدك الصُّفرة ".
٣٠ - محمد بن أحمد الخُوَاريّ، أبو نصر
أبوه من خُوَار وهو نيسابوري، وأبو نصر هذا من أظرف الظرفاء في وقته، وأبوه صاحب أدب وفضل، وله شعر بارع منه في ذكر دماميل أدركته: رجز
دَبّ الدماميلُ وحوشيتهافي جسدي مثل دبيب المُدام
لكنَّما الراحُ تُريحُ الفَتَى ... وهذه تطرد مني المنامْ
وجملة الأمر وتفصيله ... أني ككا تكرهه، والسلام
٣١ - محمد بن أحمد بن الحسن الشطرنجي الحلبي
شاعر مذكور من أهل حلب، مدح نظام الملْك الحسن بن إسحاق عندما حضر إلى باب حلب في صحبة السلطان أَلْب أرسلان في سنة ثلاث وستين وأربعمائة: كامل
أما عُلاكَ فدونها الجوزاءُ ... قَدْراً فماذا ينظم الشعراء؟
يرتدُّ عنها الفكرُ وهو مهندٌ ... ويضيق فيها القولُ وهو فضاءُ
شرَفٌ أنافَ على السِّماك وهمَّةٌ ... ضاقت بمسرح عزمها " الدهناء "
وفضائل جاءتْ أخيرَ زمانها ... فحثتْ على ما سطر القدماءُ
إن كنتَ من شرفٍ بنيت على السها ... بيتاً فوجهك للعفاة ذُكاء
يا خير من خفقتْ عليه راية ... وأجلَّ معقود عليه لواءُ
لك كل يوم مِنة سيّارةٌ ... في الخافقين وغارة شعواء
وكتيبة منصورة وفضيلة ... مشهورة وعجاجة شهباء
وغدتْ جيادُك تستلذ كلالها ... حتى كأنّ الراحةَ الإعياءُ
إن الشآم وإن تمرّض شاكر ... ولرُبَّ داءٍ عادَ وهو دواءُ