المحمدون من الشعراء واشعارهم - القفطي، جمال الدين - الصفحة ١٠٧
تزهِّدُ في الدُّنيا وأنت بنهبها ... مُلِحٌّ على الدُّنيا تَكُدُّ وتجمع
وله يهجو شريكاً القاضي: وافر:
وليْت أبا شريك كان حيّاً ... فيُقصِر حين يُبصِرُهُ شريكْ
ويقهرُ من تَدرُّ به علينا ... إذا قلنا له: هذا أبوكْ
٢٨٧ - محمد بن زياد بن عبد الله الحارثيّ
شاعر مشهور، خلّد إسمه في المجاميع، فمن قوله: طويل:
تخالُهم للحلم صُمّاً عنِ الخَنى ... وخُرُساً عن الفحشاءِ عند التهاجُرِ
ومَرضى إذا لوقوا حياءً وعِفَّةً ... وعند الحِفاظ كاللُّيوثِ الخوادر
لهم ذُلُّ إنصافٍ، ولينُ تواصلٍ ... بذُلِّهمُ ذلَّتْ رِقابُ المعاشر
كأنَّ بهم وصماً يخافون غارةً ... وما وصمُهم إلا اتّقاء المعايِر
قال سعيد بن هريم عن يحيى بن، خالد: كان الرشيد يرسل إلى أصحابه، فيسامرونه ويحدثونه، وكان فيهم محمد بن زياد بن عبد الله الحارثي، وكان ذا لسان وبيان؛ وكان الرشيد يحبّه لذلك مع ما كان يرعى له من حقّ الخؤولة، قال: فأتاني يوماً، فخَلا بي وقال: إني قد قلت شعراً في أمير المؤمنين، ولقد عزمت على إنشاده ليلة إذا دخلت إليه، فأُحبُّ أن يرى قدري عنده. قلت: لا تفعل، فإن قدرك عند أمير المؤمنين أعظم من حياك الشعر. فخرج من عندي، فأتى يزيد بن مزيد، وكان بين يزيد ابن مزيد وبين يحيى تباعُد، فخبره ما جرى بيني وبينه وأني نهيته عن الشعر، فقال: بل أرى أن تفعل وقال: ما ليحيى والشعر هذا من بغضه للعرب؟! فحضه على أن دخل على الرشيد، فأنشده الشعر. فدعا به الرشيد يوماً مع من كان يدعو وأنا حاضر، فقال: يا أمير المؤمنين! إني قلت شعراً فيك، فإن رأيت أن تأمرني بإنشاده، فعلت. فقال له الرشيد: ما لك عندنا أكبر من الشعر! فلا حاجة لك. فأبى إلا مسألته الإذن له في ذلك. فلمّا ألحّ، قال له: هاته! ثم أنصت له، فقام مقام الشاعر، وكان إذا مرّ الشيء الحسن والمعنى الجيد قال له: أحسنت كما يقول للشعراء، حتى فرغ؛ فلما نهض، أقبل الرشيد على خالد وقال: قد كنت أثق بهذا الرجل، أرعى له خؤولته، وأحدث نفسي أن أوَليَّه اليمن، ثم أقول اليمن لها قدر، ولكن أُوَليّه اليمامة، فإنه بلد عربي وهي شبيهة باليمن؛ وأمتحنه باليمامة، فإن وجدت عنده ما أُحب، رفعته إلى اليمن؛ فلما أقام نفسه مقام الشعراء، سقط من عيني، فاعطِه ثلاثين ألف درهم لشعره!.
٢٨٨ - محمد بن زيد الطرطائيّ، أبو عبد الله الصقليّ
عالم بالشعر وأوزانه وعلم القوافي، وله شعر صالح، منه: خفيف:
يَكْلأُ الله من جفانِيَ وَجداً ... وسباني بغُنجِه ثم صَدَّا
إن يَكُنْ غابَ لم يغِب عن ضميري ... عَيْنُ قلبِي تراه قُرباً وبُعدا
حلَّ منِّي محلَّ روحيَ منه ... ليتَه أعقب التَّجنُّبَ وُدَّا!!
وقال: خفيف:
عبرتِي فيك ما لها من نَفاد ... وزفيري ولوعتي في ازدياد
يا وَصول الغداة يُغري سقيماً ... باتّصال الأسى وهجر الرّقاد
عبدُك المحض ودّه لك، تُقصي ... هـ لتشفِي به قلوب الأعادي!
كيف ترضى خلاف حسنِك يا من ... حُسنُه فاق حسنَ كلِّ العباد؟
٢٨٩ - محمد بن زياد بن أحمد العرياني الشعثميّ الصُّدَائي اليمني
ذكره اللّحجِيُّ في كتاب " الأترُجَّة " فقال: وكان محمد بن زياد رجلاً نحوياً، عروضياً، متكلِّماً، فرضياً، راوية، آخذاً من سائر العلوم بخط لا سيما من علم لسان العرب وما يتعلق به، مشهوراً بذلك، وكان مع هذا يظلم نفسه ويدعي بعد هذا للأخدان الفصاحة له بالطبع. وكان كثير التنقل في البلاد اليمنية لا تُقرُّه بقعة. وكان يحدّث نفسه بالخروج عنها إلى أرض القيروان لينازل عربها أهل البوادي والقباب ويترك عرب اليمن، بحكم أنّهم أهل قرى ومدن، وله شعر منه: وافر:
أَلا من مُبِلغ عُلَة ابن جلدٍ ... على ما كان من نأيٍ وبَيِن
وأُسرَتِيَ الغَطَارِف من صُدَاء ... بإقبال المزَاد بريديين
قبيلِي من بَني العُرْيان عمرو ... وهمَّام بأعلى الواديين