اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٣٣
عصابات كبيرة العدد, تتألف من المشاة والفرسان, وقد صارت أنباء الحوادث التي كانت هذه العصابات ترتكبها، مادةً ثابتةً في حولية المؤرخ ابن إياس, في السنوات الأخيرة من عصر سلاطين المماليك. ولم تكن تلك العصابات تجد من يتعقبها أو يعترض نشاطها "ابن إياس: بدائع الزهور، جـ٣، ص٤٣٤، جـ٤، ص٢٠، ص٢٥٩-ص٢٦٠".
وأخيرًا، فإن الصورة العامة للحياة اليومية لجموع المصريين في ذلك العصر، قد ازداد اللون القاتم الحزين فيها انتشارًا مع التدهور المطَّرد لأوضاع دولة سلاطين المماليك، سواء على المستوى السياسي، أو المستوى الاقتصادي، أو العسكري، أو الثقافي، وسواءً بدا هذا التدهور واضحًا في علاقاتها بالقوى العالمية المعاصرة, أو ظهر في سطوتها ونفوذها في الداخل.
والحقيقة أننا لا نستطيع أن نحصر العوامل التي أدت إلى سقوط هذه الدولة في إطار واحد بعينه، سياسيًّا كان أم اقتصاديًّا، عسكريًّا ام اجتماعيًَّا, بيد أننا نستيطع أن نقرر أن صورة الشارع المصري, والحياة اليومية لعامة المصريين, كانت تشي بمظاهر هذا الانحلال والذبول المتزايد. ولعل كلمات المؤرخ تقي الدين المقريزي "السلوك، جـ٢، ص٦٧٨" تجسد الصورة خير تجسيد، كما تشير إلى أسباب السقوط؛ إذ يقول: " ... دخلت سنة ٨٢٨هـ وأسواق القاهرة ودمشق في كساد، وظلم ولاة الأمر من الكشاف والولاة فاش، ونواب القضاء قد شنعت مقالة العامة فيهم من تهافتهم، وأرض مصر أكثرها بغير زراعة لقصور النيل في أوانه, وقلة العناية بعمل الجسور, فإن كشافها إنما دأبهم إذا خرجوا لعملها أن يجمعوا مال النواحي لأنفسهم وأعوانهم, والطرقات بمصر والشام مخوفة من كثرة عبث العربان والعشير. والناس على اختلاف طبقاتهم قد غلب عليهم الفقر, واستولى عليهم الشح والطمع، فلا تكاد تجد إلّا شاكيًا مهتمًّا لدنياه، وأصبح الدين غريبًا لا ناصر له ... ".