اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٥٧
التي دارت حولها أشكال الإبداع الأدبي من ناحية، كما يسترعي انتباهه شيوع ألوان من الأدب لم تكن معروفة على نطاقٍ واسع قبل عصر الحروب الصليبية من ناحية أخرى. ومن المسلَّمِ به أن النتائج والآثار السلبية التي تنجم عن الحروب لا تظهر فجأة، كما أنها لا تختفي وتزول بانتهاء هذه الحروب، وإنما تتخذ لنفسها شكل تيار اجتماعي-أخلاقي, غير مباشر، ومستمر في الوقت نفسه, ويصدق هذا القول بدرجة كبيرة على المجتمع العربي-الإسلامي, أثناء الحروب الصليبية وبعدها.
لقد وقعت أحداث الحملة الصليبية الأولى في زمنٍ كان العالم العربي الإسلامي يعاني من شرور التمزق والتشرذم السياسي، بحيث فشل في تحدي الموجة الصليبية الأولى، على الرغم من موارده الهائلة بشريًّا واقتصاديًّا، ومرت حوالي خمسين سنة قبل أن يفيق المسلمون على حقيقة ما حدث, ويستوعبوا الضربة الأولى, ويعيدوا تنظيم أنفسهم لمواجهة طويلة معذبة, هذه الحقيقة كانت لها انعكاساتها على جماهير المسلمين، فقد شعروا بمدى عجز الحكام, وامتلأت نفوس الناس في كل مكان بمشاعر الغضب والإحباط والمرارة. وحين أدرك المسلمون أن الصليبيين قد جاءوا إلى المنطقة العربية ليستوطنوها، شاعت روح من التقوى السلبية والتدين الهروبي, الذي هو أقرب ما يكون إلى الرهبنة, وبدأت حركة التصوف في الانتشار كملاذٍ من شرور الدنيا التي باتت واضحة من خلال عجز حكام المسلمين وجيوشهم، وهاجر عدد كبير إلى مكة والمدينة قانعين بذلك عوضًا عن متاعب الجهاد, وقد اعتمد صلاح الدين الأيوبي على الصوفية في إذكاء حماسة المقاتلين, وفي محاربة التشيع حقًّا، ولكن الاتجاه العام للتيار الصوفي أخذ مظهرًا سلبيًّا لم يلبث أن تجلى بوضوح خلال عصر سلاطين المماليك، حين انقسم الصوفية إلى فرق عديدة، منهم بعض المجاذيب والدراويش الذين اشتهروا بأفعالهم الغريبة التي زعموا أنها من الدين "المقريزي، الخطط, جـ٢، ص٤٣٢-ص٤٣٣، سعيد عاشور، المجتمع المصري،