اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٩٢

ظلها، ويختارون لأنفسهم حياة السلم والدعة, وقد يهتم بعضهم بالمشاركة في النشاط الثقافي في عصره ويساهم فيه, وقد برزت من بين "أولاد الناس" طائفة كبيرة من المؤرخين اللامعين في تاريخ التدوين التاريخي عند المسلمين, منهم: "ابن أيبك الدوادار"، و"خليل بن شاهين الظاهري"، و"ابن دقماق"، و"ابن تغري بردي"، و"ابن إياس" وغيرهم. "قاسم عبده قاسم وأحمد الهواري: الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث، القاهرة ١٩٧٧، ص٨٩ وما بعدها". ويمكن تفسير ذلك في ضوء الحقيقة القائلة: بأن المماليك لم تكن لديهم حياة أسرية بالمعنى المألوف، ذلك أن وجودهم في الحياة المصرية لم يقم على أساس الأسرة كخلية أولية في البناء الاجتماعي؛ فلأنهم كانوا غرباء على المجتمع المصري، فقد ارتكز وجودهم على أساس ما يملكه كل أمير من المماليك الذين كانوا الدعامة الأساسية في قوتهم العسكرية ونفوذهم السياسي, ومن ثَمَّ كان الأمراء يولون مماليكهم عنايتهم ورعايتهم الكاملة، بحيث لا يبقى لديهم الوقت الكافي لرعاية أبنائهم, وينشأ هؤلاء الأولاد بعيدًا عن الجو المملوكي العسكري، أو في جحور النساء, على حد تعبير ذلك العصر.
وكان "أولاد الناس" يمضون وقت فراغهم في ممارسة بعض الألعاب والرياضة؛ مثل: الفروسية ولعب الكرة ورمي الرمح والنشاب ... وما إلى ذلك, كما كانت الثروات التي يرثونها عن آبائهم, أو الإقطاعات التي يمنحها لهم السلاطين، تكفل لهم العيش في ظل الرفاهية؛ بحيث لا يمكن أن تفصلهم عن الطبقة العسكرية الحاكمة.
وفي فلك هذه الطبقة العسكرية الحاكمة، كان يدور بعض المصريين من الفئات التي كانت ترتبط بالمماليك بحكم دورها في الحياة المصرية آنذاك, وهم: "أرباب القلم" الذين تولوا الوظائف الإدارية والدينية في الدولة. ولما كانت العلوم الدينية هي أساس التعليم في ذلك العصر، فقد كان أولئك النفر من المصريين من فئة الفقهاء والعلماء على نحو خاصٍّ؛ وهو