اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٧٥

حطين, وتبدد الجيش الصليبي عن بكرة أبيه بين قتيل وأسير, وكان هذا الجيش يمثل كل القوة العسكرية المتاحة للمملكة اللاتينية، مما أدى إلى أن تكون الأعمال العسكرية التي أعقبت حطين، أشبه ما تكون باستعراض عسكري منها بحملة قتال؛ إذ فتحت المدن الصليبية أبوابها الواحدة تلو الأخرى أمام صلاح الدين وجيوشه. وفي الثاني من أكتوبر من السنة نفسها، أي: بعد ثمانية وثمانين عامًا من السيادة المسيحية، استسلمت مدينة بيت المقدس للمسلمين, وبعدها بشهور قليلة تقلصت المساحة الصليبية وبعض القلاع المتناثرة، وبدا واضحًا أن الساعة الأخيرة في عمر المملكة الصليبية قد حانت.
لقد قامت شهرة صلاح الدين الأيوبي على إنجازاته العسكرية التي تجسدت في معركة حطين، وفي استرداد مدينة بيت المقدس, وبفضل إنجازاته العسكرية ضد الوجود الصليبي اكتسب صلاح الدين صفته الثانية كمؤسس لأسرة حاكمة، فقد كانت هذه الإنجازات العسكرية هي الأساس الذي قامت عليه الدولة الأيوبية العسكرية الطابع والهدف والتنظيم، وخير دليل على ذلك ما أورده أبو شامة "الروضتين، جـ٢، ص١٧٧" على لسان صلاح الدين بقلم القاضي الفاضل " ... فقد انفق المولى "صلاح الدين" مال مصر في فتح الشام، وأنفق مال الشام في فتح الجزيرة، وأنفق مال الجميع في فتح الساحل ... ". هذه العبارة البسيطة تجسد الحقيقة القائلة: بأن الدولة التي خرجت من طيات الصراع الذي قاده صلاح الدين ضد الصليبيين، كانت دولة ذات طابع حربي صرف، بحيث تكرس كل مواردها لخدمة الهدف العسكري, وهو التصدي للعدوان الصليبي.
وفي أثناء حياته، كان صلاح الدين قد وزع الولايات التي ضمها إلى إمبراطوريته على أفراد أسرته الذين منحهم سلطات السيادة الفعلية, ولكن