اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٨٨

وإذا كان المؤرخ تقي الدين المقريزي "ت. ٨٤٥هـ" قد ذكر أن المصريين في عصره سبع فئات، فالواقع أن تقسيمه "إغاثة الأمة بكشف الغمة، ص٧٢-ص٧٣" لم يكن تقسيمًا طبقيًّا -وفي ظننا أنه لم يكن يريد أن يضع تقسيمًا طبقيًّا -بل إنه اقترب من التقسيم الذي وضعه أستاذه عبد الرحمن بن خلدون إلى حدٍّ بعيد، فقد جعل "أهل الدولة" قمة التقسيم الفئوي الذي وضعه, ثم بين تفاوت المستوى الاقتصادي لكل فئة حسب نشاطها في المجتمع, والواضح أيضًا، أن المقريزي لم يرتب هذه الفئات أو الأقسام حسب مستواها الاقتصادي؛ فقد جعل أهل اليسار من التجار وأولي النعمة من ذوي الرفاهية على قمة الرعية، يليهم متوسطو الحال من التجار وأرباب الأسواق, إلّا أنه يضع الفلاحين وسكان القرى والريف، مع ما هو معلوم عن تدهور أحوالهم، قبل الفقهاء وطلاب العلم وأجناد الحلقة الذين يجعلهم في القسم الخامس، وقبل أصحاب الحرف والصنائع الذين يضعهم في القسم السادس, كما أنه من ناحية أخرى، يجعل الشحاذين والمتسولين -الذين يتكففون الناس ويعيشون منهم، قسمًا سابعًا.
هكذا، إذن، كان بناء المجتمع المصري طبقيًّا في أساسه بشكل حادٍّ: طبقة من الحكام العسكريين لهم كل الامتيازات والحقوق، ويملكون الأراضي الزراعية كلها، في مقابل الرعية التي اقتصر دورها على الإنتاج ودفع الضرائب، ولم يكن من حق أفرادها أن يشاركوا في مسؤوليات الحكم والإدارة, وقد انعكس ذلك، بطبيعة الحال، على شكل النشاط اليومي في الحياة المصرية في ذلك الوقت.
وكانت الطبقة الحاكمة تقوي نفسها على الدوام بما يجلب إلى مصر من المماليك، فيشتري السلطان بعضهم، ويشتري الأمراء بعضهم الآخر, وكان السلاطين يولون عناية كبيرة لتربية مماليكهم الذين كانوا -بعد إتمام تعليمهم وتدريبهم، وانتقالهم إلى الخدمة برتبها المختلفة- يشكلون الحرس السلطاني الخاص, وفي البداية يقرر السلطان لكلٍّ من مماليكه راتبًا شهريًّا