اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٧٣
لب الصراع. بيد أن بقاء الخلافة العباسية لم يكن يعني صلاحية دولة الخلافة لقيادة الجهود الإسلامية في التصدي لعدوان مسيحيّ الغرب, وإنما كان الشكل الأمثل للدولة التي تقود هذه الجهود هو شكل الدولة العسكرية، والتي يقودها ملك محارب من نمط صلاح الدين الأيوبي. حقيقة أن الأيوبيين حرصوا على تأكيد ولائهم للخلافة العباسية، كما أن المماليك أعادوا إحياء هذه الخلافة في القاهرة، ولكن ذلك كان بهدف سياسيّ, هو إضفاء الشرعية على حكمهم في نظر المعاصرين، وليس بوازع من اعتقادهم بأن الخلافة العباسية تمثل قوةً هامةً يمكنها حسم الصراع لصالحهم.
لقد كان صلاح الدين الأيوبي، بطل التاريخ الإسلامي، زعيمًا وقائدًا عسكريًّا، كما كان رجل دولة موهوبًا. وكان يجسد الأخلاق الإسلامية في عيون المسلمين، ومن ثَمَّ كان هو الزعيم المثالي للحرب المقدسة ضد الكفار. وحاول الصليبون، بالتنسيق مع قوى المعارضة في مصر، أن يحيكوا خيوط مؤامرة تطيح بصلاح الدين، ولكنهم باءوا بفشل ذريع, كما أنهم قاموا بعدد من الغارات الجريئة عبر سيناء, ووصلوا إلى بحيرات منطقة السويس, وقام رينو دي شاتيلون "أرناط" Renaud de Chatillon، حاكم الكرك في شرق الأردن، بمحاولة لاقتحام البحر الأحمر وغزو مكة والمدينة بهدف التحكم في حركة المرور الدولية بين مصر وآسيا عن طريق باب المندب, وفي سنة ١١٨٢م بنى أسطولًا في قلعة الكرك الصحراوية، ونقله مفككًا على ظهور الجمال مسافة تقرب من خمسة وعشرين ميلًا إلى خليج العقبة، حيث تَمَّ تركيبه، وإنزاله إلى مياه البحر الأحمر, وقام هذا الأسطول بنهب عدد من الموانئ المصرية والحجازية قبل أن يفاجئه الأسطول المصري ويقضي عليه.
ولم يبدأ صلاح الدين هجومه الكبير على المملكة اللاتينية في فلسطين، قبل توحيد الجبهة الإسلامية, وعندما استولى على حلب سنة