اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٧

وفي الصحراء بجوار القاهرة، تبدأ صلاة الاستسقاء, وترتفع الأصوات بالدعاء والاستغاثة والتضرع، ويستمر هذا المشهد المؤثر عدة ساعات بين الضجيج والكباء, وفي بعض الأحيان, كان السلطان يشترك في الصلاة وهو يرتدي ملابس بسيطة خالية من الزخارف الذهبية والفضية التي تميز ثيباهم في العادة, وربما يخرج الناس إلى صلاة الاستسقاء عدة مرات أملًا في زيادة مياه الفيضان "المقريزي: السلوك، جـ٣، ص٢١٨-ص٢١٩، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، طبعة كاليفورنيا، جـ٦، ص٢٠٦-ص٢٠٨، ص٣٩٤-ص٣٩٥". ولم يكن الناس يخرجون دائمًا إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، بل إنهم كثيرًا ما كانوا يجتمعون بجامع عمرو بن العاص, أو الجامع الأزهر, أو غيرهما من المساجد الكبيرة, يتوسلون إلى الله ويبتهلون, ويستمرون في قراءة القرآن وتلاوة الأدعية، وقد يستمر ذلك لعدة أيام, أملًا في أن يرفع الله الغمة عنهم.
وكان طبيعيًّا في ضوء المفاهيم الغيبية التي كانت تحكم ذلك العصر، أن تنتشر إشاعات عن رؤى وأحلام تنسب أسباب هذه الكوارث والأزمات إلى ما يقع من الفساد والظلم, مما يجعل بعض السلاطين يتظاهر بالعدل؛ فيعلن عن إلغاء الكثير من الضرائب، أو "المغارم والمظالم والكلف" على حد تعبير ذلك العصر، خوفًا من شَرِّ الوباء المنتشر، وما أن يرتفع الوباء, ويقل الخوف منه, حتى تعود الضرائب الفادحة لتفرض على الناس -كما كانت وزيادة، "ابن أياس: بدائع الزهور، جـ٤، ص٧٧، ص١٩٣-ص١٩٤".
وغالبًا ما كان سلاطين المماليك وأمراؤهم, والأعيان, والأثرياء, يهربون إذا حلَّ الوباء إلى مناطق غير موبوءة مثل: سرياقوس التي كانت المهرب المفضل للسلاطين في أغلب الأحيان، كما كان الأعيان من القضاة والتجار والمتعممين يرسلون أولادهم إلى أماكن خارج العاصمة, حين تنزل بالبلاد كارثة من هذا النوع..