اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٣٧

اختلال البناء الديموجرافي. لقد تلقَّى العالم العربي الإسلامي ضربة مفاجئة أثارت الذعر والهلع في جنباته. وحين اكتشف المسلمون أن الصليبيين جاءوا إلى المنطقة العربية بقصد البقاء، كان على العالم العربي أن يغص بمرارة هذه الحقيقة، ولكن العجز التام, والشلل الذي حال دون تعبئة الموارد الاقتصادية والديموجرافية الهائلة للوطن العربي على مدى جيلين كاملين، شجَّع الصليبيين على المضيِّ قدمًا لتدعيم فتوحاتهم، ووصلوا بها إلى البحر غربًا والصحراء جنوبًا, فيما يمكن تسمتيه بالحدود الطبيعية, وهكذا شاد الغرب المسيحي مستوطناته على الأرض العربية لتعيش قرنين من الزمان في مواجهة القوى العربية الإسلامية.
لقد انقسمت منطقة حوض المتوسط الشرقي إلى أقاليم صليبية وأخرى إسلامية نتيجةً للوجود الصليبي، وكان الأثر المباشر لهذا على الصعيد الاجتماعي هو التغير الديموجرافي, واختلال علاقات القوى الاجتماعية على النحو الذي كشفت عنه الأمثلة السابقة, وبعبارة أخرى: كان للغزوة الصليبية، والمذابح التي واكبتها، أثرها المباشر على التركيب السكاني في المنطقة التي دارت على أرضها رحى المعارك الصليبية؛ فقد كان لاستيطان الفرنج -بمعنى جميع الشعوب الأوربية- تحت سماء الشرق، أثره المباشر والعنيف في تغيير البناء السكاني للمناطق التي خضعت لحكم الصليبيين وسيطرتهم, كما أن عمليات الهجرة والتهجير دفعت بجماهير السكان في المناطق التي تعرضت للعدوان، إلى مناطق أخرى آمنة، بحيث اهتز البناء السكاني في مناطق الهجرة بشكل عنيف.
ومن ناحية أخرى، كان للحروب الصليبية أثر ديموجرافي غير مباشر, إلى جانب هذا الأثر المباشر؛ إذ أن العالم العربي قد نهض لمقاومة العدان الصليبي، بعد أن استوعب الصدمة الأولى، وبدأت الجيوش تفد من جميع أنحاء العالم العربي، مصر وبلاد الشام والعراق، فضلًا عن الجنود