اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٦٦
السياسي الرئيسي للحروب الصليبية ... ورب قائل بأن الدولة العربية الإسلامية منذ بدايتها، كانت دولة ذات نشاط عسكري واسع، وأن الخلفاء الأمويين كانوا غالبًا قادةً عسكريين، كما أن الدولة الأيوبية والدولة المملوكية لم تخل من الجانب الروحي، وهذا أمر حقيقي, ولكن النظرة الفاحصة تكشف عن أن الدولة العربية الإسلامية الباكرة كانت في حال صعودها تشيد الحضارة العربية الإسلامية، وكان النشاط العسكري جانبًا هامًّا من جوانب هذه النشاط، بيد أنه لم يكن هو الأساس الذي قامت عليه مؤسسات الدولة وعلاقات الحاكم بالمحكوم، وإنما قامت هذه المؤسسات والعلاقات على أساس أن الخليفة هو الإمام الأكبر الذي يخلف الرسول -عليه الصلاة والسلام- في حفظ الدين وتنظيم علاقات الأمة, ولكن العدوان الصليبي -إلى جانب كثير من عوامل الإنهاك الداخلي الأخرى- أثبت أن هذه القيادة السياسية الروحية لا تكفي لحماية العالم العربي الإسلامي، ومن ثَمَّ برزت الدولة العسكرية التي يقودها محارب قوي يستند إلى واجهة من التأييد الشرعي من الخلافة, وفي هذه الدولة تَمَّت صياغة العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساس توجيهها صوب العمل العسكري دفاعًا عن دار الإسلام.
حقيقةً أن الخلافة العباسية لم تسقط بنفس السرعة التي سقطت بها الخلافة الفاطمية, وظلت موجودة حتى قضى عليها الهجوم المغولي سنة ٦٥٨هـ، ولكنها كانت قد فقدت أيّ وجود حقيقي فعَّال لوجودها، كما أن السلاجقة الذين كانوا يمثلون القوة الضاربة لهذه الخلافة، قد ذابوا في خِضَمِّ الصراع ضد الموجات الصليبية الأولى، بحيث لم يبق لهذه الخلافة سوى ظلٍّ باهت من مجد غابر وسيادة ماضية، فإذا ما طرقتها جيوش المغول سقطت في سرعة تتفق وحقيقة خوائها الداخلي.
لقد بدأت الخلافة العباسية منحنى تدهورها منذ فترة طويلة, وبدا