اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٣٠

عشر -وهو وباء شمل الكرة الأرضية بأسرها, وعرفه المسلمون باسم "الوباء الكبير", وعرفه الغرب باسم "الموت الأسود Black Death- ركدت الحياة تمامًا؛ فخلت الوكالات والفنادق من نزلائها من تجار الشرق والغرب, ولم يجد القضاة أو الولاة ما يفعلونه لانصراف الناس عن القضايا المعتادة, وزهد الناس في أموالهم وبذلوها للفقراء, وقد قضى هذا الوباء الرهيب على حوالي ثلثي جمهرة السكان في مصر آنذاك، وأقفرت المدن, وخلت القاهرة من الناس تقريبًا، وهرب السلطان ومن استطاع اللحاق به إلى سرياقوس. وانخفضت الأسعار بدرجة كبيرة لعدم وجود من يشتري, بل إن كتب العلم رخصت لدرجة أنه كان ينادى عليها بالأحمال.
والواقع أن أهم نتائج مثل هذه الأوبئة يتمثل في اختلال البناء الاجتماعي الطبقي, الذي تميزت به مصر في عصر سلاطين المماليك؛ فقد كان العامة يستولون على إقطاعات أجناد الحلقة عقب الوباء "ابن تغري بردي: النجوم، جـ١٠، ص٢٠٥-ص٢٠٩". وكان انهيار النظام الإقطاعي واحدًا من ملامح التدهور العديدة التي كانت بمثابة أجراس الجنازة لدولة سلاطين المماليك, التي حكمت البلاد ما يزيد على قرنين ونصف من الزمان, بيد أن انهيار النظام الإقطاعي، والذي تبدت مظاهره واضحة في كثير من الأحداث، لم يكن هو المؤشر الوحيد الدال على قرب نهاية الدولة ومغيب شمسها، فقد انهار الأمن في الداخل نتيجة لحروب الشوارع التي كانت تنشب بين أمراء المماليك بسبب التنافقس على عرش البلاد، أو لغير ذلك من الأسباب. كما أدى ذلك بدوره إلى تناقص هيبة الدولة وسطوتها، فكثرت إغارات البدو على الريف والمدن، كما كثرت حوادث السطو والحريق. ومن ناحية أخرى, انهار النظام النقدي للدولة؛ ليزيد من تدهور الحال.
ففي عصر الجراكسة بالذات، بات واضحًا أن السلطان ليس سوى كبير الأمراء، وهو ما كان يؤدي، بين الحين والحين، إلى اندلاع القتال بين