اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٤١

الجليل، وتمكَّن المسلمون من حصار القوة العسكرية الكاملة للمملكة الصليبية، ولكن عدم القدرة على الاحتفاظ بجيش كبير العدد، ينتمي أفراده إلى فئات وطوائف غير متجانسة، لفترة أطول من ذلك، حرم المسلمين من إحراز نصر ساحق "ابن القلانسي، ص١٧٨- ص١٨١، ص١٨٤-ص١٨٥".
ومع ذلك فإن شيئًا ما قد بدأ يتغير داخل المعسكر الإسلامي، بفعل النتائج الديموجرافية للغزو الصليبي, وقد جاء هذا التغيير من بين جماهير المسلمين الذين أدركوا مدى فداحة الخطر الصليبي من ناحة, وفشل القيادات العربية الإسلامية من ناحية أخرى؛ فقد أثار تدفق اللاجئين إلى سائر مناطق العالم الإسلامي من فلسطين في أعقاب الغزو الصليبي، مشاعر الاستياء ضد القيادة الإسلامية. وفي البداية، علت أصوات الاستياء والدعوة إلى الجهاد على منابر المساجد في صلاة الجمعة، وسرعان ما حظيت الحركة بتأييد شعبي قوي، لتصبح الدعوة للجهاد ضد الكفار بمثابة صرخة التجمع للقوى العربية الإسلامية، وسُطِرَت الكتبُ, ودُبِجَت الرسائل عن فضل الجهاد والمجاهدين، وعن مكانة بيت المقدس وأهميتها. وفي ظل هذه الحركة تكوَّن رأي عام قوي وضاغط على القيادات السياسية في العالم العربي الإسلامي، وقدر لهذه الحركة أن توجه مجرى الأحداث على مدى ما يزيد على قرن ونصف من الزمان.
في ظل هذه البعث الأيديولوجي، ظهر عماد الدين زنكي ليقود حركة المقاومة الإسلامية على محور جديد هو محور الموصل-حلب، الذي حلّ محلَّ محور القاهرة-دمشق, الذي أثبت فشله بسبب الانهيار الداخلي للخلافة الفاطمية, والتشرذم والتفكك الذي عانت منه بلاد الشام آنذاك. وقد أخضع عماد الدين زنكي المنطقة ما بين الموصل وحلب لسلطانه، وسرعان ما أضحى أقوى حاكم إسلامي في زمانه؛ لأنه طوَّع قوته وسلطانه في خدمة